ولذا كان النبي لى الله عليه وسلم يقول في دعائه لربه:"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك"، فعلى الشاب المسلم الحريص على مجانبة معصية الله أن يبتعد عن أسباب المعصية وطرقها، وأن يتخلى عن كل ما يذكره بها أو يدعوه إليها، وليحذر من الثقة المفرطة بنفسه في هذا الباب.
الرابع: الدعاء، فقد دعا يوسف عليه السلام ربه فقال: (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) سأل اللّه أن يصرف عنه كيد النسوة متبرئًا من حوله وقوته، ومسلمًّا أمره لخالقه ومولاه عز وجل.
وإذا كان يوسف عليه السلام لا يستغني عن دعاء اللّه عز وجل وسؤاله فغيره من باب أولى؛ فالدعاء هو الوسيلة التي يتصل بها المرء باللّه عز وجل، وقد قال عز وجل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجبِ دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ، وفي آية أخرى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث جامع:"ما على وجه الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه اللّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها"، فما بالك إذا كان هذا الداعي مقبلا على اللّه قد نفى عن نفسه الحول والطول؟ وما بالك إذا كان مضطرًّا؟ وقد وعد الله المضطر بإجابة دعائه (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) ، وهل هناك أمر أكثر ضرورة للإنسان من حفظ دينه؟
إذًا ينبغي لنا أن ندعو اللّه عز وجل في كل شيء نريده في دينينا ودنيانا ومهما بلغ العبد من التقوى والطاعة والإقبال على اللّه عز وجل فإنه لا يستغني عن استهداء اللّه وسؤال التثبيت، أليس اللّه فد افترض على كافة عباده الأتقياء قبل الفجار أن يتوجهوا إليه كل يوم بقولهم (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم) ؟
أليس اللّه يقول في الحديث القدسي"يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"؟
وهاهو نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو اللّه عز وجل فيقول:"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم".
ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه فيقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
وقبله إبراهيم عليه السلام يدعو اللّه سبحانه وتعالى بعد أن حطم الأصنام وواجه من قومه ما واجه يقول (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) :إذا لا ينبغي أن نترك الدعاء أو نقصر فيه، ومهما شعر المرء بثباته وتقاه وطاعته فإنه لا يستغني أبدا عن دعاء اللّه تعالى أن يثبته وأن يعينه وأن يهديه إلى صراطه المستقيم.
الخامس: صلاحه وطاعته وتقواه وكان ذلك من أسباب توفيِق اللّه له (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) ". فكلما كان المرء مطيعا للّه حافظا لحدوده كان ذلك أدعى إلى أن يحفظه اللّه وأن يثبته على طاعته."
ومن هنا فازدياد المرء على الطاعة والعبادة وحرص الشاب على ذلك. هذا مما يؤهله لتوفيق اللّه وإعانته له بعد ذلك.
السادس: اختياره الأذى على فعل الفاحشة فهو يقول (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) يختار يوسف عليه السلام السجن ومرارته ولا أن يقع في هذه المعصية، فحينما وصل الأمر به إلى هذا الحد أعانه اللّه ووفقه، أما الأذى الذي ناله فهو أذى الدنيا وما هذه الدنيا إلا دار مصائب"فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)."
وقد يستجيب المرء لداعي الفاحشة فيواقعها فتكون النتيجة بدلا من مقاساته الصبر على هذه الشهوة أن يقاسي بعد ذلك مرضا جنسيا يناله فيه من شقاء الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما حصله من تلك الشهوة العاجلة.
دروس أخيرة من القصة
الأمر الأول: ضرورة البعد عن أسباب المعصية: فيوسف عليه السلام بعد أن نجح واجتاز هذا الابتلاء استبق الباب وأصبح يريد أن يخرج من الباب فلا بد أن يبتعد الشاب عن أسباب المعصية.
-ضرورة التضحية والتحمل فمن الضروري أن يتحمل المرء في سبيل اللّه سواء ما يلاقيه من الدعوة إلى اللّه أو ما يلاقيه في طاعة اللّه أو ما يلاقيه في البعد عن المعصية.
-حسن العاقبة لمن اتقى الله وأطاعه، فهاهي المنزلة التي وصل إليها يوسف عليه السلام (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض) . أما أجر الآخرة فهو خير وأبقى.
-مراقبة اللّه سبحانه وخشيته، وأثر ذلك في حماية العبد من المعصية.
-دعاء اللّه سبحانه وتعالى والاستعانة به واللجوء إليه.
-خطورة كثرة الخلطة؛ فإنها قد تكون مدعاة إلى الجرأة على الفساد، فالذي دعا امرأة العزيز إلى أن تصل إلى هذا الأمر وتدعو يوسف وترواده عن نفسه هو كثرة مخالطتها له، ومن هنا يجب أن يحذر الشباب من كثرة مخالطة من قد تكون مخالطته سببا ومدعاة إلى أن يقع في مثل هذه المعصية أو غيرها.