ويقول الشيخ علي الطنطاوي أمد الله في عمره أنه التقى بسيد في دار الرسالة ولم يكن قد التقى به من قبل لكنه حين قرأ مقالاته ولما التقى به قال له أنت سيد قطب قال: نعم قال: لا يمكن أن تكون أنت سيد قطب، فسيد لا بد أن يكون ضخمًا ومناضلًا لأن أسلوبه كان حادًا في الكتابة لكن شخصه كان هادئًا جدًا وكانت هذه تلفت النظر لمن يلتقي به فالذي يقرأ له يظن أنه دائم الانفعال فيجدونه في غاية الهدوء -ومضطرًا أقول: ودماثة الأخلاق. لهذا لا أحب أن أتكلم ولكنكم أجبرتموني على ذلك.
سيد وقضية اللفظ والمعنى
في تلك الفترة وبقدر من الله وكل شيء هو بتقدير الله سبحانه وتعالى شغلته قضية أدبية وهو يكتب في الرسالة مقالات في النقد الأدبي شغلته قضية اللفظ والمعنى فقد كان يقول بعض نقاد العرب العبرة باللفظ أما المعاني فهي ملقاة على قارعة الطريق فهي شائعة بين كل المفكرين والشعراء وأن انتقاء اللفظ هو موضع البراعة ولكن سيد كان يخالف ذلك فهو يرى أن المعنى يتأثر باللفظ الذي يختار له وأن اللفظ ليس مجرد كساء خارجي للمعنى لكن اللفظ والمعنى سدى ولحمة والعلاقة بينهما علاقة عضوية وأنه حين يتغير اللفظ قد لا يتغير المعنى الذهني لكن ظل المعنى في النفس يتغير هذه هي القضية التي شغلته وظل يكتب عنها شهورًا متوالية في مجلة الثقافة ولكي يدلل على صحة رأيه عاد إلى ذاكرته عاد إلى القرآن الذي كان قد حفظه وهو طفل صغير وظل في ذاكرته الكثير منه ولكنه شغل عنه في تلك الفترة بالسياسة الحزبية التي كانت قائمة وبالعمل بالصحافة والأدب والنقد الأدبي هذا الموضوع أعاده إلى القرآن مرة أخرى ليستخرج منه نماذج يدلل بها على نظريته لأن القرآن الكريم فيه الكثير من السور المكررة التي تبدو لأول مرة أنها مكررة مثل الحديث عن السماوات والأرض والكواكب والحديث عن المطر والزرع ووصف الجنة والنار.
نظرية سيد
ونظرية سيد كانت أنه مع تعدد المواضع التي يعرض فيها القرآن الكريم كمشاهد القيامة أو يتحدث فيها عن آيات الله في الكون وهذه نظرية اقتنع بها تمامًا وحين أراد أن يدلل على فكرته أخذ نماذج من القرآن التي تؤيد وجهة نظره وكان مما أذكر الآن أنه ورد في كتاب الله تعالى:"وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت". ومرة"وترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت"فالكلام واحدًا والمعنى واحد لكن اختلف لفظ هامدة وخاشعة فهل بقي المعنى واحد أم أن الصورة التي تتمثل وتختلف باختلاف هذين اللفظين وما المناسبة التي جعلت الآية الأولى يأتي مع سياقها كلمة هامدة والأخرى فيها كلمة خاشعة هذا من الأمثلة الكثيرة التي تمثل بها لإثبات أن تغيير اللفظ يغير الصورة وإن كان المعنى الذهني يبقى كما هو لكن الصورة التي يلمسها الحس والخيال تتغير بتغيير الألفاظ .
أول كتبه وانشغاله بالقرآن
هذا الموضوع الأدبي مع أن مدخله فيه كان أدبيًا بحتًا وأنتج فيما بعد كتابين من هذه الفكرة وهما"التصوير الفني في القرآن"و"مشاهد القيامة في القرآن"وهما أول كتبه تقريبًا هذه العودة إلى القرآن لفته إلى معانٍ أخرى فالقرآن جذاب ولا يمكن لإنسان أن يقرأ القرآن قراءة واعية دون أن يقف وقفات فيه.. دون أن يثير القرآن في نفسه معاني وانفعالات ومشاعر وأفكارًا.. مما لفت نظره أثناء البحث عن النماذج الأدبية، معان أخرى أثرت في توجهه الفكري وفي نشاطه في الوقت ذاته وخلاصتها العدالة الاجتماعية في الإسلام وهي التي أخرجها في كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام.
محاربة النشاط الشيوعي
وأما المناسبة التي دعته إلى ذلك فهي أن النشاط الشيوعي في مصر في ذلك الوقت كان حادًا جدًا وضخمًا وكانت دعواهم التي يثيرونها ليجمعوا الجماهير حولهم هي أن هناك فسادًا في مصر يبدأ من الملك وينتهي بالإقطاعيين والرأسماليين وأن العلاج الوحيد لهذا الفساد هو الشيوعية هذه كانت دعواهم وحقيقة أن دعواهم كانت سرية لأن الحزب الشيوعي غير مصرح له بالوجود العلني لكن كان له تأثير كبير عند الشباب.
الجولة التي جالها مع كتاب الله ليستخرج النماذج الأدبية جذبته إلى المعاني الاجتماعية فأصدر صحيفة لم تعش طويلًا لأن الدولة أغلقتها وخرج منها اثنا عشر عددًا ولكن العدد الثالث عشر صودر وأقفلت المجلة وسحبت رخصتها وكان اسمها (الفكر الجديد) كانت مادتها الأساسية أن هناك فسادًا وأن العلاج الوحيد هو الإسلام وهذا رد على الدعوة الشيوعية فكتب عن الفساد كتابة قوية أزعجت السلطات في ذلك الوقت ولكن المهم أنه قال أن العلاج لهذا الفساد هو الإسلام هو أن يحكم الإسلام وهذه المعاني التي تجمعت عنده أثناء كتابته في الصحيفة هي التي أودعها في كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام.
اعتقال الملك لسيد