فالسيرة تصوير لأحوال نزول القرآن الكريم وبيئته، وبيان لأسباب النزول، وإظهار لتفاصيل ما أجمل في القرآن من الأحداث، وإبراز لحكمة التشريع ونحو ذلك، من ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره ( 2/49) عن عروة( قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله تعالى:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"قلت فو الله ما على أحد جناح أن يتطوف بهما فقالت عائشة بئسما قلت يا ابن أختى إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ولكنها إنما نزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها ثم المشلل وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله -عز وجل- إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"قالت عائشة:"
قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما) أخرجاه في الصحيحين البخاري:1643ومسلم:1277), ومن ذلك ما أشكل على بعض التابعين في قوله تعالى"لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم". قال مروان بن الحكم وكان واليًا على المدينة اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منّا فرح بما أتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم) مسلم ( 4/2142) .
6-تعليم لفقه الدعوة وبيان مراحلها:
كيف بدأت الدعوة سرًا،ثم تحولت جهرًا وكيف كانت سلمًا وكفًا ثم صارت جهادًا وحربًا، وكيف تنوعت الأساليب الدعوية التي كان لها الأثر الكبير في دخول الناس في دين الله أفواجًا، وكيف تكون طرائق التعليم النافعة؟ وأساليب التربية الناجحة؟ وفي وصيته لمعاذ دليل على ذلك: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لّما بعث معاذًا إل اليمن قال له إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم واتَّقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.
وكذلك وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى، قال لهما: ( يسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا،قال أبو موسى يا رسول الله إنا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع وشراب من الشعير يقال له المزر، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كل مسكر حرام) البخاري 5/2269.
7-فهم حقيقة وطبيعة هذا الدين:
ليس بالإيمان والصلاح، ولا بالذكر والدعاء وحده يقوم الدين، فضلًا عن أن يكون بمجرد الانتساب، والتبرك بالقبور والتمسح بالأعتاب، ولكن الدين لابد له من مؤمنين يحملونه وينشرونه ويجاهدون في سبيله وإن لاقوا في سبيله ما لاقوا.
يقول حذيفة واصفًا ما لاقاه الصحابة الكرام في غزوة الأحزاب، مخاطبًا أحد التابعين: يا ابن أخي، والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم يشترط له النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع أدخله الله الجنة، قال فما قام رجل، ثم صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويًا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم
يرجع يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال صلى الله عليه وسلم يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا) ابن كثير (3/472) . فالرسول يضمن لمن يذهب العودة، ويكون رفيقه في الجنة، ومع ذلك من شدة الجهد والجوع والخوف لم يقم أحد.