فهرس الكتاب

الصفحة 23111 من 27345

ان مفهوم (الحركة) في الاسلام، على خلاف عدد من المذاهب والاديان، ينبثق اساسا من هذا التناغم والتلاحم بين الثنائيات: الروح والمادة، الطبيعة وماوراء الطبيعة، الارض والسماء، العلم والايمان ، وان افتقاد اي طرف من اطراف هذه المعادلة المنطقية سوف يقود الى الفوضى والضياع، وسوف يجرد دين الله من القدرة على الحركة والانتشار .

وها هنا، بصدد الحديث عن الموقف من العلم ، يبدو اكيدًا ذلك التناغم والتلاحم ين كتاب الله وحقائق العلم ومعطياته .. لكن ذلك لا يمنعنا من رؤية الابعاد الشاملة لكل من (الحقيقة) القرآنية ذات المصدر الآلهي ، ومايمكن تسميته مجازًا - (بالحقيقة) العلمية ذات المصدر البشري .. فثمة خط فاصل، نظرًا لتغاير المصدرين، يمتد بين العلم الآلهي والعلم البشري ... العلم الآلهي الذي يمنحنا بعض معطياته في القرآن الكريم يتضمن حقائق ومسلمات مطلقة لايأتيها الباطل من بين يديها ولامن خلفها ، بينما تظل معطيات العلم البشري أسيرة نسبيتها وقلقها وتحولها ..

ي العلم البشري ما من حقيقة نهائية ، والعلماء الكبار انفسهم ، بعد قضاء اعمار كاملة في ساحات المختبر وبين اجهزته ، انتهوا الى هذه النتيجة .. ان معطيات العلم مجرد (احتمالات) قد تخطيء وقد تصيب ، وان كشوفاته هي وصف للظاهرة و ليست تفسيرًا لها .

يقول سوليفان:"لقد اصبح العلم شديد الحساسية ومتواضعًا نسبيًا . ولم نعد نلقن الآن ان الاسلوب العلمي هو الاسلوب الوحيد الناجح لأكتساب المعرفة عن الحقيقة .. ان عددا من رجال العلم البارزين يصرون بمنتهى الحماس على حقيقة مؤادها ان العلم لا يقدم لنا سوى معرفة جزئية عن الحقيقة ، وان علينا لذلك ان لانعتبر ، او يطلب الينا ان نعتبر كل"

شيء يستطيع العلم تجاهله مجرد وهم من الاوهام . ان الحماسة التي يظهرها

رجال العلم هؤلاء فيما يتعلق بفكرتهم القائلة بان للعلم حدودًا ليست مما يثير العجب في حقيقة الامر !!" (1) ."

ويقول:"لقد قبل جسم جديد - يقصد الكهرباء - في الفيزياء لانعرف عنه شيئًا سوى بنيته الرياضية Mathematicl Structure وقد بدأت منذ ذلك الوقت تدخل في الفيزياء اجسام اخرى بنفس الشروط . ووجد ان هذه الاجسام تلعب دورًا يماثل بالضبط ذاك الذي تلعبه الاجسام القديمة فيما يتعلق بتشكيل النظريات العلمية . لقد اصبح الآن واضحًا ان معرفة طبيعة الاجسام التي نتحدث عنها لم تعد مطلبًا لازمًا بالنسبة للفيزياء ، بل تكفي"

معرفة بنيتها الرياضية وهذا بحق هو كل معرفتنا حولها . وقد جرى التحقق الآن من ان معرفة البنى الرياضية هي كل المعرفة العلمية المتوفرة لدينا حتى فيما يتعلق باجسام نيوتن المألوفة ، وان اقتناعنا باننا نعرف هذه الاجسام بصورة قريبة ماهو الا مجرد وهم" (2) ، ويتساءل:"لماذا يترتب على الانسان ان يفترض بان الطبيعة يجب ان تكون شيئًا يستطيع مهندس القرن التاسع عشر ان يستحضره في ورشته ؟" (3) ."

ونقرا في كتاب (عقائد المفكرين في القرن العشرين) :"ان العلماء التجريبيين عادوا الى القوانين الطبيعية التي تحكم الحرارة والحركة والضوء وكل مافي عالم المادة من كهارب وذرات فوجدوا ان لها قانونًا واحدًا هو الخطأ والاحتمال . اما القائمون بهذه التجربة فقد كانوا ثلاثة من اقطاب العلوم في مطلع القرن العشرين: ماكس بلانك Max Plank البولوني وورنر هايزنبرج W. Heisenberg الالماني وأروين شرودنجر A. Schrodinger النمسوي ، والأولان منهم صاحبا جائزة (نوبل) في العلوم الطبيعية عن سنة 1918 ، وسنة 1932 ، والثالث مكمل النظريات التي اشتهر بها الأولان ، وحجة لاتعلو عليه حجة في مسائل الطبيعيات على العموم .. ان التجربتين - يقول هايزنبرج - في اية قاعدة من قواعد العلم الطبيعي لا تأتيان بنتيجة واحدة بالغًا ما بلغ المجرب من الدقة وبالغًا ما بلغ المسبار من الاتقان" (4) .

ويختتم سوليفان الفصل الثالث القيم من كتابه (حدود العلم) ، بقوله:"لقد بحثنا حتى الآن في حدود العلم بأعتباره اسلوبًا لأكتساب المعرفة حول الحقيقة . وقد رأينا كيف أدت الحساسية الجديدة للعلم الى الاقرار بان ادعاءاته السابقة قد بولغ فيها كثيرًا . لقد جعلت الفلسفة المبنية على العلم من المادة والحركة الحقيقة الوحيدة . وبهذا العمل فقد جرى استبعاد جميع العناصر الاخرى الواقعة في مجال خبراتنا . هذه العناصر التي تحمل ، كما يتراءى لنا ، المغزى الاكبر والتي تجعل الحياة في النهاية جديرة بأن تعاش قد جرى استبعادها على انها محض اوهام ..". ثم يخلص الى القول:"ان دوافعنا الدينية لا يمكن ان يقنعها اي شيء اقل من الاعتقاد بأن للحياة مغزى خارقًا . وهذا الاعتقاد هو بالضبط ماجعلته الفلسفة القديمة امرًا مستحيلًا وهكذا يمكننا ان نستنتج ان الاهمية الحقيقة للتغيرات التي حصلت في العلوم الحديثة ليست في قدرتها المتزايدة على دفع عجلة تقدم الانسان ، بل في تغير الأسس الميتافيزيقية التي تقوم عليها" (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت