فهرس الكتاب

الصفحة 23113 من 27345

ان (التسبيح) او (السجود) ها هنا لايقتصر على كون الذرات والأجسام الفضائية تخضع للنواميس التي وضعها الله فيها ، فهي بهذا تسبح الله سبحانه وتسجد لأرادته . فقد يكون هنالك ما هو ابعد من هذا واقرب الى مفهوم التسبيح الحر والتقديس الواعي ، ان هذه الموجودات تمارس تسبيحها وتقديسها بالروح ، وربما بالوعي الذي لا نستطيع استيعاب ماهيته، وان هذا ليقودنا ثانية الى مقولة أدينغتون:"ان مادة العالم هي مادة عقلية"، كما يقودنا الى الآية الكريمة: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } !!.

حقًا ! ان ادراك الطرائق التي تعمل بها الذرات والاجسام لمما يصعب تحقيقه .. ومهما تقدم العلم وخطا خطواته العملاقة فسيظل جانب من اكثر جوانب التركيب المادي بعيدًا عن التكشف النهائي ، مستعصيا على البوح بالسر المكنون .

ومهما يكن من أمر ، فهاهو العلم الحديث ، في كشوفاته الاخيرة يؤكد على الحقائق الاساسية التالية:

ليس بمقدور العلم التوصل الى الحقائق النهائية .. ليس بمقدور العلم الحديث ان ينفي الدين او أيا من الخبرات الانسانية اللامادية الأكبر حجمًا منه .. ما يجهله ليس اقل حقيقية من معطيات العلم نفسه !!

يؤكد بالمقابل اهمية التجرية الدينية وضرورتها للحياة البشرية ، ويكشف العلم عن البطانة الروحية للعالم فيلتقي ثانية مع الدين ..

ان الكشوف العلمية الحديثة جاءت ، كما يقول سوليفان:"لكي تقطع الطريق على تلك المناقشات التي قامت لتثبت ان أيًا من التفسيرات (الدينية) ماهو الامجرد وهم . لقد فعلت هذا عندما اظهرت ان العلم لا يعالج الا ناحية جزئية من الحقيقة ، وانه لايوجد ادنى سبب يبرر الافتراض بان كل ما يجهله العلم ، او يتجاهله هو اقل حقيقة مما يعرفه .." (23) .

ثمة تساؤل يفرض نفسه هنا: اذا كانت آيات القرآن ومقاطعه تتضمن حقائق ومسلمات مطلقة لايأتيها الباطل من بين يديها ولامن من خلفها ، بينما تضل معطيات العلم أسيرة نسبيتها وتغيرها وقلقها وتحولها ، فكيف يلتقي المطلق بالنسبي ، والكلي بالجزئي ، والشامل بالمحدود ؟ وهل يصح ان نفسر بعض آيات القرآن على ضوء نظرية اوكشف علمي قد يتعرضان في اية لحظة للتشكيك والنقض ؟ ألا يقود هذا الى نوع من التشكك والتناقض يمتد الى صميم المعطيات القرآنية نفسها ؟.

سيقودنا الجواب الى استقراء القرآن نفسه لتفحص الابعاد الاربعة التي تناول من خلالها مسألة العلم هذه كما رأينا ، والتي تشكل موضوع هذا البحث الموجز ، وسنضطر ، بين الحين والحين ، الى اعتماد مقاطع وفقرات سبق وان التقى بها القاريء في كتب اخرى ، وبخاصة (التفسير الاسلامي للتأريخ) ، لانها اذ وردت هناك متفرقة لخدمة سياقات منهجية اخرى .. فانها تأتي هاهنا كضرورة لأستكمال الصورة عن الموضوع الذي بين ايدينا ، كما سنضطر احيانًا اخرى الى مجرد الاحالة تجاوزًا للتكرار ..

اهداف العلم والمباديء الاسلامية الأساسية

تعنى فلسفة العلم بتفحص وتحليل الاهداف التي يسعى لتحقيقها وطبيعة ارتباطاتها بأنشطة الانسان الحضارية من جهة وبرؤيته للكون والحياة والعالم من جهة اخرى .

وعلى ذلك يبدو البحث العلمي ، ومناهجه التجريبية في الكشف والتطبيق (ضرورة) من ضرورات الحياة الاسلامية ، وليست مسألة (كمالية) او امرًا ثانويا .

ذلك انها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنشاط الجماعة المسلمة وبطبيعة مهمتها في العالم وبعقيدتها الشاملة عن الكون والحياة والعالم والانسان .

ونستطيع -ها هنا- ان نضع بين ايدينا على عدد من المباديء الأساسية في الحياة والرؤية الاسلامية ، تحتم اعتماد طرائق العلم ومناهجه ، والافادة من السنن والنواميس التي تكشف عنها الحقائق التي تصل اليها والتطبيقات التي تتمخض عن هذا وذاك .

تحتمها لأنها تسهم اسهاما اكيدًا في (تعزيز) هذه المباديء وتأكيد عناصر تلك الرؤية الشاملة ، وتساعد على السير بها صوب مزيد من التنفيذ في ارض الواقع والتحقق في مجرى الفعل الحضاري .

(مبدأ الأستخلاف)

ومبدأ (الأستخلاف) الذي يطرحه الأسلام في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام هو واحد من هذه المباديء التي يرفدها العلم ويمكن لها في الأرض .

ان الانسان المسلم مستخلف في العالم ، بُعث لتطويره واعماره وتذليل صعابه والاستجابة لتحدياته من اجل تسوية ارضيته كي تكون اكثر ملائمة لحياة مطمئنة تعلو على الضرورات ، بعدان تتحرر منها ، وتكون اكثر قدرة على التوجه الى فوق .. الى خالقها جل وعلا ، دون ان تنكس رؤوسها أو تحني ظهورها ثقل الجاذبية وضرورات الوحل والطين .

ان مسألة الاستخلاف في الأرض تتكرر اكثر من مرة في القرآن الكريم:

{ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا } (24)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت