إِصْلَاحِهَا (35) ، { قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ } (36) ، إن القرآن يرفض في نظرته للمسألة الحضارية أشد مايرفض ، موقف التجزئة والفصل وإقامة الجدران بين مساحات التجربة البشرية ، ويرى فيها وحدة حيوية تسري فيها روح واحدة وتجري فيها دماء واحدة .. وأن تجزئتها وعزل بعض جوانبها ، خلال العمل ، عن بعضها ، ليس خطأ فحسب ، لكنه مسالة تكاد تكون مستحيلة ، إذا ما أردنا - مسبقًا - أن نصل الى نتائج صحيحة .
ومهما يكن من أمر ، فان (تنفيذ) مهام (الخلافة) ، ومنحها الضمانات الكافية ، وإعانتها على تحقيق اهدافها في التقدم الدائم ، لن يتأتى بدون اعتماد طرائق البحث العلمي ومناهجه للكشف عن سنن العالم والطبيعة ونواميس الكون من اجل الافادة من طاقاتهما المذخورة وتحقيق قدر اكبر من الوفاق بين الانسان وبين محيطه .
وبدون هذا ، فإن مبدأ الأستخلاف لن يكون بأكثر من نظرية أو عقيدة تسبح في الفراغ .
(مبدأ التوازن)
وثمة ذلك المبدأ الاساس من مباديء الحياة الأسلامية والفكر الأسلامي: التوازن ين الحاجات الروحية والمادية .
إن مسألة التوازن عميقة في نسيج القرآن بحيث أننا نراها تأخذ اكثر من اتجاه ، وتتلبس بأكثر من شكل .. ان احدى الآيات تتحدث عن (الزينة) آمرة بني آدم ان يمارسوها ، وأين ؟ عند كل مسجد حيث يؤدي الانسان غاية تجربته في التجرد والأنسلاخ عن زخرف الحياة الدنيا { يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } تعقب ذلك دعوة صريحة أيضًا إلى الأكل والشرب شرط ألا يبلغ ذلك حد الأسراف { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (37) ، ثم ما تلبث التي تليها ان تتساءل بصيغة استنكارية واضحة { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (38) .