د. مصطفى عبد الفتاح أستاذ علم النفس يقول: الحياة في مجتمعاتنا العربية الحديثة معقدة، فالظروف الاقتصادية في غالبية هذه الدول غير مواتية، وهناك مشكلات بطالة تضرب هذه البلدان، والذي يجد عملًا من الشباب لا يصدق نفسه من الفرح، رغم ضآلة مرتبه. وتواجه الشباب مشاكل العثور على السكن ثم تأثيثه ثم مصروفات الزواج، وبعد الزواج تأتي مشكلة نفقات المنزل من إيجار ومواصلات وطعام وعلاج وتعليم للأبناء.
وفي ظل هذه الأوضاع، وفي ظل انتشار تعليم البنات، أصبحت الفتاة تنزل إلى العمل ولا تفضل الجلوس في المنزل.
ويفضل الأزواج الشباب أن تعمل زوجاتهم لمساعدتهم اقتصاديًا.
وأمام هذا كله فإنه من غير المعقول أن تعمل الزوجة وتحصل على راتبها وتضعه في جيبها، وتترك زوجها يواجه مصيره بنفسه دون مد يد العون لمساعدته، فالحياة الزوجية الحديثة هي شراكة تقتضي مساعدة كل طرف للطرف الآخر.
ظاهرة جديدة
يلفت د. صابر سليمان أستاذ علم الاجتماع النظر إلى ظاهرة جديدة انتشرت في بعض مجتمعاتنا العربية، وتتمثل في تلاعب بعض العائلات في راتب الابنة الموظفة، بمجرّد أن تتم خطبتها؛ إذ يجبرها الأهل على شراء سيارة لأخيها أو والدها، أو شراء عمارة أو قطعة أرض عن طريق قرض بنكي، فتبقى تسدد الأقساط لعدة سنوات من بعد زواجها، لئلا يذهب أي شيء من راتبها إلى زوجها.
ويرى د. صابر شوكت أن الأصل في الأب والأم أنهما ينظران لمصلحة ابنتهما ومستقبلها، ويضحيان من أجل سعادتها، وغير مقبول أن يسبّبا لها مشكلات مع زوجها قد تؤدي إلى كراهيته لها، بل من الممكن أن تؤدي إلى أن يطلقها. فيجب أن تنظر الأسرة إلى المستقبل، ولا تجعل الأمور المالية هي الفيصل. و على الرغم من هذه الظواهر إلا أنني أعرف بعض الآباء الذين يستمرون في الإنفاق على بناتهم حتى بعد زواجهن؛ لأنهم يعدون ذلك واجبًا يتحملونه حتى نهاية أعمارهم، طالما كان ذلك في استطاعتهم.
حفظ حقوق المرأة
تقول الاختصاصية الاجتماعية عفاف عايش: أمام حاجة سوق العمل إلى الكوادر النسائية المتخصصة لخدمة بنات جنسهن، خرجت المرأة من بيتها، والتحقت بالركب السائر، وتنوّعت أهداف الرغبة في العمل بين إثبات الذات، و الحاجة المادية لمواجهة الظروف، والنهل من ينابيع العلم والمعرفة، وحتى شغل أوقات الفراغ.
وترتب على هذا الخروج العديد من المشاكل الأسرية التي أعضلت الكثيرات، من بينها الاستيلاء على رواتبهن أو منعهن تعسفيًا من الخروج للعمل، سواء أكان هذا الظلم من قبل الأب أو الأخ أو الزوج، مما دفع بعضهن إلى رفع قضايا في المحاكم لرفع الظلم الذي تطور خطره إلى منع تزويجهن من أجل حصد أموالهن.
هذه القضايا أخذت منحى آخر؛ إذ تشارك المرأة زوجها في بناء السكن وتجهيزه، ثم ينتهي الأمر باستحواذ الزوج عليه دونها أو إيقاعها في فخ الكفالة الغارمة أو الشراء المباشر باسمها، ثم توريطها في التسديد وتحمل تبعات الديون.
ولو ناقشنا هذا الأمر فسنجد له أكثر من بعد، فمن ناحية نجد أن للوالدين حقًا في راتب الابنة بعد أن قاما برعايتها وتربيتها، ومهما أنفقت عليهما فلن تصل إلى تمام برّهما.
ثم للزوج الحق في أن تنفق من مالها على بيتها وأطفالها، طالما أنها تستقطع من وقته وراحته وواجباته حتى لو كان التحاقها بالعمل بموافقته، أما الأبناء و الإخوة فلا مانع من مدّ يد العون لهم من باب البر والتواصل والتراحم.
و لكن من ناحية أخرى من المهم وضع ضوابط تضمن حقوق المرأة في حالة المشاركة المادية سواء أكانت هذه المشاركة في أرض أو عقار أو سيارة، خاصة أن العلاقة الزوجية معرضة للطلاق والوفاة، وهذان الأمران من أهم مسببات ضياع الحقوق في حالة الشراكة بدون إثبات.
وهنا على المجتمع واجب ضمان حقوق المرأة وتوعيتها بطرق الحفاظ عليها، خاصة أن شعور المرأة بالأمان سوف يعطيها دافعًا أكبر للعمل والعطاء في بيئة مستقرة.
الحكم الفقهي
وعن الحكم الفقهي في قضية راتب الزوجة والابنة يقول د. محمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر: إن للزوجة أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها، وراتب الزوجة جزء من مالها الذي تملكه، فلها أن تتصرف فيه بما شاءت ما دام هذا التصرف داخل دائرة الحلال، لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن ذمة الرجل، سواء كان أبًا أو أخًا أو زوجًا، فالشريعة الإسلامية أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف.
وهكذا فإن الزوجة مستقلة في مالها، فمال الزوجة الخاص بها كالمرتب مثلًا لا يجوز قطعًا للزوج أن يأخذ منه شيئًا، إلا برضا الزوجة وطيب نفسها، وأخذ شيء منه كرهًا - سواء أكان هذا الإكراه مقنّعًا أو مكشوفًا- فإنه يعتبر غصبًا. والغصب حرام على المغتصب، ويجب عليه رد المغصوب لمن اغتصب منه. وعقد الزوجية لا يسوّغ أي ضغط على الزوجة، سواء في مالها، أو فيما تراه وتعتقده.