ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى موضع آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة ، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطى شيئًا، إلى أن يقول فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ? ... انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ...? [ الحديد:13] .، وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: ?... يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ...? [ النساء: 142] .، فيرجعون إلى المكان الذي قسم الله فيه النور، فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم ويضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فينادونهم ? أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) ، فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ? [الحديد:14-15] .
هذا شأن المنافقين إنهم في الحياة الدنيا يتظاهرون بالإسلام ويتحدثون عن الإيمان خداعًا للمسلمين وهم في واقع الحال أعداءًا متربصين يحاربون الإسلام باسم الإسلام ، ويحاربون القرآن، يخربون ويتآمرون مع اليهود والنصارى، ويقومون بتنفيذ مخططاتهم بعد أن يلبسوها أثوابًا إسلامية أو وطنية يخادعون بذلك الله والذين آمنوا والأمة المسلمة ، وهل خربت ديار الإسلام إلا بواسطة هؤلاء، هل دمرت البلاد والاقتصاد إلا بهؤلاء، وهل مكن للأعداء في بلاد الإسلام إلا هؤلاء الموجودين بين أظهرنا يتكلمون بألسنتنا ويتظاهرون بيننا أنهم منا ونحن منهم ، هؤلاء حقيقةً هم الأعداء الذين حذر الله نبيه منهم وأمره بأن يأخذ حذره فقال له: ?... هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ? [ المنافقون: 4] .
ولذا فإن جزاء هؤلاء سيكون من جنس عملهم إنهم يعطون نورًا ظاهرًا ويسيرون يوم القيامة مع المؤمنين وكأنهم شيء واحد، وفجأة يذهب الله بنورهم ويضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة حيث ذهب المؤمنون ومن قبلهم الجنة ويناديهم المنافقون يا معشر المؤمنين يا معشر المؤمنين ألم نكن معكم؟ أيها المؤمنون إن اكتساب النور وتحصيله هو في هذه الحياة بالإيمان والعمل الصالح وهناك بعض الأعمال جاءت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحثنا على فعلها والإكثار منها حيث فيها الحياة والنور نذكر لكم بعضها من باب الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين:
قراءة القرآن وتلاوته من أعظم مصادر النور.
الذين يحرصون على الصلوات في المساجد ويترددون على بيوت الله ليلًا ونهارًا هؤلاء هم أهل النور والأنوار، أخرج أبو داود والترمذي، عن أنس - رضي الله عنه - - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"
وفي مسند الإمام- أحمد والطبراني، عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من حافظ على الصلاة، كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف".
وفي بيان عظمة الصلاة وأهميتها قال عليه الصلاة والسلام:"الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء".
فهذه الأعمال الثلاثة كلها أنوار، فالصلاة نور للمؤمنين في حياتهم ، نور في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم وتستنير بصائرهم.
إذا حافظ العبد على صلاته، فأحسن وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له حفظك الله كما حفظتني وصعد بها إلى السماء ولها نور.
والصلاة نور للمؤمنين في قبورهم ولا سيما صلاة الليل ، قال أبو الدرداء - رضي الله عنه - صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور.
وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات يوم القيامة وعلى الصراط.
وكذا الزكاة والصدقة لها نور وإشعاع وهي برهان والبرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، وسميت الحجة القاطعة برهانًا لوضوح دلالتها، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان وإذا صح الإيمان أشرقت أنواره في القلب وفي الحياة وفي الدنيا والآخرة.
ثم الصبر الذي نحتاج إليه في كل وقت وحين نحتاج إليه في عبادتنا، في مجاهدة ومراغمة أعدائنا، ونحتاج إليه في مجاهدة النفس والهوى والشيطان، نحتاجه في ديننا ودنيانا ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:"والصبر ضياء": والضياء، هو نور مصحوب بحرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف نور القمر فإنه نور فيه إشراق بغير إحراق. قال تعالى: ? هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا... ? [ يونس:5] .