? هذا يقرب لنا طبيعة الثبات الذي ثبت به يوسف عليه السلام، ويعطينا أيضًا الزاد والتربية الأصلية التي تربى عليها، فكانت سببًا من أسباب الثبات؛ لأنه لا يمكن أن يثبت في مثل هذه المواقف الذين يتركون نفوسهم ترتع حيث شاءت ثم يتمنون الثبات.. كلا لا يثبت إلا من تعب على نفسه وزكاها، فيثبته الله تعالى في أعظم المحن والبلايا .
? وبعد أن نجح يوسف في هذه الفتة فرج الله عنه، وأخرجه من تلك الأزمة بعيدًا عن رائحة القصر التي تفوح بالفساد والانحلال الخلقي، وذلك بعد أن لجأ لله وحده، معترفًا بضعفه البشري أمام شلال الفتن المنهمر: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [33] [سورة يوسف] .
أخرجه من تلك الفتنة.. واستجاب له، ولكن إلى فتنة من لون جديد، إنها فتنة السجن: ]رب السجن أحب إلي مما يدعونني إلي [33] [سورة يوسف] .
الفتنة الخامسة: السجن: يقول تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [35] [سورة سوسف] . عندما دخل السجن الذي كان له جنة بمقارنته بذلك القصر الموبوء . إن أقسى ما يجده المسجون في السجن، هو فصله عما يحدث في الخارج، عن أهله وأبنائه، وأقسى من ذلك: عندما يدخل السجن وهو برئ من غير ذنب، ويهمل هناك دون أن يلتفت أحد بالخارج أن هناك إنسانًا يعيش في السجن، وأقسى من ذلك أن السجين لا يملك قرار نفسه بالذهاب، والإياب، والطعام، والبقاء في هذا المكان، أو غيره .
الفتنة السادسة: الإطالة في السجن: إن ذلك السجين الذي يعلم متى يخرج، وفي أي ساعة ينتهي ذلك الحبس لا يعاني مثل ذلك الذي لا يعلم متى تنتهي مدة الحبس ولا يقال له متى الخروج، يظل يترقب كل يوم، وكل يوم يمضي يشابه الذي قبله، دون استيقان حتى النهاية، مما يجعله في عذاب نفسي دائم، خاصة إذا طالت المدة دون أن يشعر به أحد، وهذا ما حدث ليوسف عليه السلام، فقد قال لأحد السجينين الذي ظن أنه ناجٍ منهما: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ... [42] [سورة يوسف] .
ولكن الشيطان أنسى ذلك الرجل أن يتذكر يوسف المظلوم عند سيده: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [42] [سورة يوسف] . ولم يتذكره أحد إلا بعد أن احتاج الملك إلى من يؤول له رؤياه فتذكر حينها ذلك الرجل صديقه يوسف عليه السلام وذكره للملك آنذاك، ولكن الأصالة أبت عليه الخروج بهذه الطريقة، ورفض أن يخرج وملصوقة فيه تهمة الزنا، حتى يعلن رسميًا على الملأ من المجرم الحقيقي، وتعلن براءته، ونصاعة صفحته، عندها فقط رضي أن يخرج عزيزًا بريئًا، ولكنه خرج إلى فتنة قل أن يثبت فيها الرجال وهي:
الفتنة السابعة: فتنة المنصب: ولا شك أن فتنة المنصب من أكبر الفتن التي يمكن أن يتعرض لها الدعاة. ولكن يوسف عليه السلام ما كان من ذلك الصنف المتهالك على الدنيا، بل إن قلبه معلق بالآخرة؛ فلم تهزه فتنة المنصب على الاستسلام لله، والتأدب معه، والاعتراف بنعمه عليه، فها هو يقول في آخر المطاف بعد أن جمع الله له والديه وإخوته في مصر: رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [101] [سورة يوسف] . يقول سيد قطب:'وهكذا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل ولمة الإخوان، ويبدو المشهد الأخيرة مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين بين يديه، إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير' .
الخاتمة: لابد للدعاة أن يتعلموا الكثير من هذه القصة القرآنية العظيمة، وأول ما يجب أن يتعلموه: سنة الله في البلاء.
? والخطوة الثانية في كل ما يتعرض له المؤمن من بلاء، وأكثر هذه الخطوط وضوحًا:
الخط الأول: مقدار البلاء يتناسب مع مقدار القرب إلى الله .
الخط الثاني: يكون البلاء أحيانًا يسبب الابتعاد ولو قليلًا في أحد معاني العبودية.
الخط الثالث: أنكل بلاء يصاحبه لطف من الله .
الخط الرابع: أن الانفراج بعد الشدة يسبقه ثبات على المنهج .
? فنلاحظ هذه الخطوط في قصة يوسف واضحة جلية:
فمقدار البلاء يزداد بالتدريج في كل فتنة ينتقل إليها يوسف عليه السلام.
ونلاحظ الخط الثاني: عندما اعتمد يوسف عليه السلام على الذي ظن أنه ناجٍ منهما ولم يستعن بالله أولًا؛ فعاقبه الله بذلك النسيان:: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [42] [سورة يوسف] .
ونلاحظ الخط الثالث: في جميع الفتن التي مر بها يوسف، ففي الفتنة الأولى، كان اللطف في مؤامرة القتل أن ألقى الله الرحمة في قلب أحد إخوانه ليعدل قرار القتل إلى إلقاء في الجب .
وفي الفتنة الثانية: نرى أن اللطف هو عدم موته، وبقاؤه على قيد الحياة .