فهرس الكتاب

الصفحة 23563 من 27345

وفي الفتنة الثالثة: نرى اللطف في حياة الاستعباد، أنه كان في قصر عزيز مصر، وكان الذي اشتراه يعامله معاملة الابن المدلل.

وفي الفتنة الرابعة: نرى اللطف أنه رأى برهان ربه عندما استبدت به الفتنة.

وفي الفتنة الخامسة: نرى اللطف في أن السجينين اللذين سجنا معه قد وثقا به، واستطاع أن يروح عن نفسه بالدعوة إلى الله .

ونرى اللطف في الفتنة السادسة: أنها تصاحب مع كارثة غذائية عظيمة يهرب منها أشد الرجال.

أما الخط الرابع: فكان جليًا أيضًا، فكلما ثبت يوسف عليه السلام في فتنة أهداه الله تعالى هدية ذلك الثبات.. إن المؤمن عندما يعيش هذه السنة، فإنه لا يستغرب ما يصيبه الله به من بلاء، وهذا يجعله أكثر ثباتًا ورهنًا بما يصاب به من عند مولاه

المعادلة التاسعة: تعجيل الجزاء

رئيسي:فضائل:

يقول تعالى في كتابه الكريم: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [18] } [سورة الإسراء] .

ويقول تعالى أيضًا: وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [20] [سورة الشورى] .

وفي هاتين الآيتين تتضح معالم المعادلة التاسعة: ففي شطرها الأول اختيار الدنيا والرغبة فيها، وتفضيلها على الآخرة، وفي شطرها الآخر: نتيجة هذا الاختيار، وهي تعجيل ما أراد من الدنيا، وفي الآخرة ليس له شيء البتة غير جهنم يصلاها محتقرًا.

أين العقل ؟

من علم مثل هذه النتيجة الخطيرة كيف يختار هذا الاختيار الخطير؟ بل كيف يكون عاقلًا، أو به ذرة من عقل من يختار ذلك؟ يقول الإمام ابن القيم:'كيف يكون عاقلًا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟' وما أجمل ما علق الزاهد يحيى بن معاذ على ذلك الاختيار عندما قال:'ما عصى الله كريم، وما آثر الدنيا على الآخرة حكيم' . ذلك لأن الحكيم ينظر بالعواقب، والسفيه هو الذي لا ينظر إلا لشهوته.

الزائلة المعجَّلة: لذات الدنيا كلها زائلة، ومن اختارها فإن الله يعطيها إياه، ويعجلها له في الدنيا؛ لأنه يحرم منها في الآخرة، حيث اللذات الدائمة. يقول الشيخ أحمد المراغي- معلقًا على قوله تعالى: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ:' أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي، لا يوقن بمعاد، ولا يرجو ثوابًا، ولا يخشى عقابًا من ربه على ما يعمل، يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الرزق، وسعة العيش، ثم يصليه حين مقدمه عليه في الآخرة جهنم مذمومًا على قلة شكره، وسوء صنيعه فيما سلف، مبعدًا من رحمته، مطرودًا من إنعامه'.

? وكان التابعون -رضي الله عنهم- شديدي الخوف والحساسية من الدنيا، لدرجة أن أحدهم إذا رأى تتابع النعم على أحد من الناس؛ ظن أن ذلك استدراج من الله، ويخشى أن تكون نعمة معجلة، وليس له في الآخرة من نصيب.

مما جعل التابعي الجليل أبو حازم سلمة بن دينار، يقول:'إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره' .

وكان يقول:'نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، لأني رأيته أعطاها قومًا فهلكوا ' .

أدبرت عنكم: كلمات بالغات لأصحاب الحق والمؤمنين الذين يتحسرون على منصب أُعطي لغيرهم، وتجارة ينجح بها غيرهم من أهل الدنيا وهم يخسرون، ورزق يبذر به أهل الدنيا ميمنة وميسرة، وهم محرومون منه، وغيرها من زخارف الدنيا، فيشغلهم ذلك عن ذكر الله، والسعي للآخرة، وينقلهم ذلك التحسر يومًا بعد يوم إلى بيع الآخرة وشراء الدنيا، فلا يعطون لآخرتهم إلا ما فضل من أوقاتهم:

يصيح التابعي الجليل عون بن عبد الله بأمثال هؤلاء قائلًا:'إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم'.

ومن استمر في مثل هذه الغفلة عن الآخرة، وشراء الدنيا؛ فهو في خطر عظيم قد ينسيه الآخرة بالكلية، ثم ينزلق إلى المعاصي التي تجعله ربما ختمت حياته بها، لذلك عندما سئل زين العابدين علي بن الحسين: مَنْ أعظم الناس خطرًا ؟ قال:'من لم ير الدنيا خطرًا لنفسه' .

ولأن الصحابة الكرام، وطلاب الآخرة من بعدهم انتبهوا لخطورة الدنيا، فقد هربوا منها عندما أقبلت عليهم، يقول عابد الكوفة الفقيه إبراهيم التيمي مخاطبًا أبناء جيله بعد أن عقد مقارنة بين من مضوا من الصحابة والتابعين، ومن اقتفى أثرهم:'كم بينكم وبين القوم ! أقبلت عليهم الدنيا فهربوا، وأدبرت عنكم فاتبعتموها' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت