فهرس الكتاب

الصفحة 23564 من 27345

ولا يعني الهروب من الدنيا، اعتزلها بالكلية، وتركها للفجار من أهل الأهواء يعبثون بها كيفما يشاءون، واختيار الفقر على الغنى، بل الهروب المقصود هو جعلها بالأيدي لا في القلوب، وألا تشغلنا عما خلقنا من أجله وهو العبادة، وألا تكون لها الأولوية على الآخرة، وألا نعطيها جل أوقاتنا، وألا تكون سببًا في تقصيرنا فيما أمرنا الله به، وألا تبعدنا عن التقرب إلى مرضاته، هذا هو الهروب المقصود.

تعجيل مقيد: ومع ذلك التعجيل من النعم المتقاذفة على أهل الدنيا وعبيدها، إلا أن الله تعالى جعلها مقيدة بقيدين:

الأول: قوله: مَا نَشَاء أي ما يشاء الله سبحانه تعجيله له منها لا ما يشاؤه ذلك المريد، ولهذا نرى كثيرًا من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون إليه.

والقيد الثاني: هو قوله: لِمَن نُّرِيدُ { أي لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا... وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة، كقوله سبحانه:} وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا [20] [سورة الشورى] .

وقوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ [15] [سورة هود ] ' [فتح القدير - الشوكاني 3/216] .

خسارة الآخرة: وبالرغم من تعجيل النعم لمن اختار العاجلة، وفضلها على الآخرة، فإن الخسارة الكاملة تنتظره في الآخرة الدائمة، ليتحقق الشطر الآخر من هذه المعادلة: ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [18] [سورة الإسراء] . وخسارة الآخرة لهؤلاء لا تعني أنها العقوبة الوحيدة، بل إن الله يعاقبها في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بتعسير الأمور عليهم، وسلبهم السعادة النفسية، وراحة البال.

المعادلة العاشرة: إرادة الخير للعبد

رئيسي:فضائل:

كيف للعبد أن يعرف أن الله يريد له الخير ؟ وقد انقطع الوحي، وخُتمت الرسالات برسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

? لقد أخبرنا الله في كتابه، و في السنة المطهرة ببعض العلامات الدالة على محبة الله للعبد، وإرادته للخير له، ومن هذه العلامات: إصابة العبد بالبلاء، أو توفيقه لحب العلم وتعلم الدين، وصاغ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه العلامات على شكل معادلة مكونة من شطرين:

الأول: فيه إرادة الخير من الله للعبد.

والثاني: إصابته بالبلاء، أو تعلم العلم، حيث يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ] رواه البخاري. ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ...] رواه البخاري ومسلم.

ما هو الخير الذي يريده الله للبعض من الناس ؟

يقول المناوي في هذا الخير:'أي: جميع الخيرات؛ لأن النكرة تفيد العموم، أو خيرًا كبيرًا عظيمًا كثيرًا، فالتنوين للتعظيم'. فقد يكون هذا الخير في الرزق الوفير، أو البركة في المال، والوقت، والزوجة، والولد، والعمر، وقد يكون هذا الخير في التوفيق للطاعات، واكتساب محبة الناس، وقد يكون هذا الخير هو الحماية من شر شياطين الإنس والجن، وقد يكون هذا الخير هو السعادة، والسداد في القرار، غيرها من أمور الخير التي تُسعد الإنسان في دنياه وآخرته.

بماذا يستحق الخير؟

هذا الخير الذي يريده الله بالبعض لا يتحقق إلا إذا تحقق الشطر الآخر من المعادلة، وهذا الشطر مكون من علامات، منها: الإصابة بالبلاء، ومنها: التوفيق لتعلم العلم.

أولًا: البلاء: ولأن الأنبياء هم أحب الخلق إلى الله، وأحقهم بهذا الخير الرباني، فهم أكثر الناس بلاءً، كما جاء في الحديث: [أَشَدّ النَّاس بَلَاءً الْأَنْبِيَاء , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ] رواه الإمام أحمد .

وقوله في حديث المعادلة: [ يُصِبْ مِنْهُ] أي: يبتليه بأنواع البلاء، ليثيبه عليه.

ويقول القاضي:'أي: يوصل إليه المصائب ليطهره من الذنوب ويرفع درجته، وهي اسم لكل مكروه، وذلك لأن الابتلاء بالمصائب طب إلهي يداوي الإنسان من أمراض الذنوب المهلكة' [ فيض القدير 6/243] .

ومن الخير الذي يناله صاحب البلاء: تكفير الذنوب، حيث يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ] رواه البخاري ومسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت