ثانيًا: التفقه في الدين: وهي العلامة الثانية لمن أراد الله به الخير، حيث يحبب إليه تعلم العلم، ويزيد من همته في طلبه، كأن يكون رأسًا في العلم، ثم ينقله للآخرين، فيسبب لهم الهداية الموجبة للأجر العظيم. يقول المناوي:'أي يفهمه أسرار أمر الشارع ونهيه بالنور الرباني الذي أناخه في قلبه، كما يرشد إليه قول الحسن: إنما الفقيه من فقه عن الله أمره ونهيه، ولا يكون ذلك إلا لعامل بعلمه'.
والفقه لا يقتصر على علوم بعينها، بل حقيقة الفقه هو التقوى، ولا خير في فقه لا يوصل إلى التقوى.
يقول الغزالي:'إن حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العمل، فأورث الخشية فالتقوى'.
وكان الحسن البصري يغضب لمن 'لقب' الفقيه لمن يتعلم علمًا بعينه، بل دأبه دومًا إرجاع من يحتك بهم إلى المعنى الحقيقي للفقه، فقد روى عنه عمران قال:قلت للحسن يومًا في شيء قاله: يا أبا سعيد ! هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك، هل رأيت فقيهًا قط، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.
أين الخير ؟
إذا كان تعلم العلم والتفقه في الدين يتسبب في الخير للمسلم سواءً في زيادة معرفته بالله تعالى، ودعوته للناس، وبروزه في المجتمع، واحترام الناس له، وسببًا في هداية الناس إلى آخر هذه المنافع الواضحة، فأين هذا الخير فيمن يصاب بالبلاء؟
إذا عرفنا أن الخير المقصود في الحديث لا يقتصر على المنافع الملموسة والدنيوية، وإنما يتجاوزه إلى المنافع المعنوية غير الملموسة، والأخروية، علمنا بأن الخير الذي يجنيه المصاب بالبلاء كبير، وربما يتجاوز المتفقه بالدين.
فمن هذا الخير:
تقوية معدنه بعد البلاء: فالذهب لا ينقى مما شابه من المعادن حتى يوضع في النار.
تعلمه للصبر: وفي الصبر خير كثير.
تكفيره للسيئات: كما جاء في الحديث: [مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ] رواه البخاري ومسلم .
علامة لحب الله له: كما جاء في الحديث: [...إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ...] رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد .
المنزلة العالية يوم القيامة:كما في الحديث: [ يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ ] رواه الترمذي .
الإحساس بنعمة الله عليه: فلا يشعر بنعم الله إلا الذي يفقدها.
زيادة التقرب واللجوء إلى الله: فالإنسان يزداد لجوؤه إلى الله إذا شعر بالضعف والحاجة للعون، وفي هذا الخير كثير.
الانكسار والتواضع بسبب البلاء.
أن يكون عظة لغيره... هذا بعض الخير الذي يجنيه من أصيب بالبلاء.
من كتاب:'معادلات إيمانية' للشيخ/ عبد الحميد البلالي