وما أحسن ما استنبطه الحافظ ابن حجر من حديث انس وابن مسعود (لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكه, ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه, فوضع رأسه فنام نومةً فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحرّ والعطش أو ما شاء الله. فقال: أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومةً ثم رفع رأسه فإذا راحلتُه عنده) :"فيه بركة الاستسلام لأمر الله؛ لأنّ المذكور لما أيس من وجدان راحلته استسلم للموت؛ فمنّ الله عليه بردِّ ضالته". [47]
ولو تدبرنا دعاء النوم لألفينا فيه معاني الإخبات لله تعالى والاستسلام ظاهرةً جلية, كما روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن, ثم قل: (الله إني أسلمت وجهي إليك, وفوضت أمري إليك, وألجأت ظهري إليك, رغبةً ورهبةً إليك, لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيّك الذي أرسلت, واجعلهم من آخر كلامك فإن متّ من ليلتك متّ وأنت على الفطرة. قال النووي رحمه الله:"(اللهم إني أسلمت وجهي إليك) : أي استسلمتُ وجعلتُ نفسي منقادةً لك منقادة لحكمك... ومعنى (ألجأت ظهري إليك) أي توكّلتُ عليك. واعتمدتك في أمري كله كما يعتمد الإنسان بظهره على ما يسنده, وقوله (رغبة ورهبة) أي: طمعًا في ثوابك وخوفًا من عذابك". [48]
وقال ابن حجر:"قال الطيبي: من نظم هذا الذكر عجائب لا يعرفها إلا المتقن من أهل البيان, فأشار بقوله (أسلمت نفسي) إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه, (وجهت وجهي) إلى أنّ ذاته مخلصة له بريئة من النفاق, وبقوله: (فوضت أمري) إلى إنّ الأمور الخارجة والداخلة مفوّضة إليه لا مدبّر لها غيره, وبقوله: (ألجأت ظهري) إلى أنه بعد التفويض يلتجيؤ إليه مما يغره ويؤذيه في الأسباب كلها". [49]
وقد شرح ابن حجر هذا الحديث بقوله:" (أسلمت) أي استسلمت وانقدت, والمعنى جعلتُ نفسي مُنقادةً لك تابعة لحكمك؛ إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها, ولا دفع ما يضرها عنها, وقوله (وفوضت أمري إليك) أني توكلت عليك في أمري كله, وقوله (ألجأت) أني اعتمدت في أموري عليك لتُعينني على ما ينفعني؛ لأنّ من استند إلى شيء تقوى به واستعان به". [50]
[9] الإيمان والتصديق بعالم الغيب والإيمان بالرسل والكتب والموت والجنة والنار
وهذه المعاني ظاهرة في ما رواه البخاري في الدعوات (باب إذا بات طاهرًا) و (باب ما يقول إذا نام) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أردت مضجعك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك, وفوّضت أمري إليك, ووجهت وجهي إليك, وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك, لا ملجأ منك إلى إليك. آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت؛ فإن متَّ متَّ على الفطرة) . [51]
وقد استنبط ابن حجر من فوائد الحديث:"أن يبيت على طهارة لئلا يبغته الموت؛ فيكون على هيئة كاملة, ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب؛ لأنه أولى من طهارة البدن". [52]
ويوضح ذلك كذلك حديث حذيفة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك أموت وأحيا, وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) . [53]
[10] التوكل والانكسار والتذلل والافتقار:
وهذا من أعظم أحوال العبد, كما قال ابن القيم في (المدارج) في الأسباب الجالِبة للمحبة:"السابع: وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى, وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات"؛ [54] ولذلك عُرفت المحبة بأنها"أن يكون كلك بالمحبوب مشغولًا, وذُلُّك له مبذولًا". [55]
ولا يصح التوكل إلا على الله, ولا الالتجاء إلا إليه, ولا الخوف إلا منه, ولا الرجاء إلا له, ولا الطمع إلا في رحمته, كما قال أعرف الخلق به صلى الله عليه وسلم: (أعوذ برضاك من سخطك, وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك) وقال: (لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك) . [56]
إنّ التفكّر في صفات الله تعالى الواردة في أسمائه الحسنى يكسو الأذكار جلالةً ومهابةًَ ومعرفةً. وقد روى البخاري في كتاب التوحيد باب (ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى) عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ (قل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن؛ وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبره أنّ الله يحبه) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له محبته لهذه السورة؛ ويحتمل أن يكون لما دلّ عليه كلامه؛ لأنّ محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده". [57] "