فهرس الكتاب

الصفحة 23683 من 27345

إن الصخب والشوشرة والتشويش الذي يقوم به الكفار اليوم على مستوى العالم، إنما يهدف إلى إسكات صوت الإسلام ، وتمييع القضايا المصيرية التي من أجلها خلق الله الخلق، وأوجدهم، وتتناولها بشيء من السخرية والعبثية والاستهزاء، ليفتنوا بذلك عقيدة المسلمين.

إن كل مسلم رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، يضيق صدره ويغلي قلبه غضبًا إذا رأى وسمع من يتطاول على الله أو على الرسول أو القرآن أو على المؤمنين، بالسخرية والاستهزاء والازدراء.

فها هو سيد الخلق وخير البرية محمد صلى الله عليه وسلم كان يحزن ويتألم لما يراه من تكذيب المكذبين وسخرية الساخرين من الكفار والمشركين، وكانت التوجيهات الربانية تتنزل عليه تباعًا ، تثبّت فؤاده وتسري عنه وتأمره بالاستمرار في الدعوة إلى الله والبلاغ وعدم الاكتراث بالمكذبين المستهزئين.

قال الله سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ? فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ? [الحجر:94-99] .

? فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ...? [ الحجر: 94] أي: أظهر الدين الذي أمرك الله بتبليغه وبيانه ، وفرق بين الحق والباطل، ولا تبالي بالمكذبين المستهزئين ولا تخش منهم، ولا يصعب عليك ذلك فالله حافظك منهم وكافيك.

والمستهزئون المذكورون خمسة كما يقول المؤرخون وهم:

الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والحارث بن قيس الهمي، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب. فأهلكهم الله في يوم واحد وليلة، أما العاص فقد ذكروا أنه خرج مع نفر منزل شعب من الشعاب فلما وضع قدمه على الأرض، قال: لدغت، فبحثوا فلم يجدوا شيئًا، وانتفخت رجله حتى كانت مثل عنق البعير ومات مكانه.

وأما الحارث، فقد نزل به عطش فلم يزل يشرب حتى انقدت بطنه فمات وهو يقول: قتلني رب محمد، وقيل: إنه كان يقذف وتخرج أقذاره من أنفه.

وأما الأسود بن عبد المطلب: فقد أخذ الله بصره وسلط عليه داءًا جعل يصرخ منه حتى مات وهو يقول قتلني رب محمد.

أما الوليد بن المغيرة فقد أصابه سهم في أكحله فقتله ، والأسود بن عبد يغوث خرج وفي رأسه قروح فمات منها بعد أن تغير لونه واسود وجهه .

وهكذا انتهت تلك الرؤوس الكافرة المستهزئة وأخذهم الله من حيث لم يحتسبوا. وهذه سنة الله عز وجل في كل مجرم كذاب يهلكه في الدنيا بألوان العذاب ويأخذه أخذ عزيز مقتدر ثم ينتقم منه في الآخرة والله عزيز ذو انتقام.

ثم ذكر الله تعالى ما يعانيه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من تكذيب الكفار وعنادهم وسخريتهم فقال سبحانه: ?وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ? [ الحجر: 97] ثم بين سبحانه العلاج الناجع لذلك والشفاء لضيق الصدر من التكذيب والسوء الذي يتفوه به المشركون فقال سبحانه: ?فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ? [الحجر:98-99] . أمره بأربع أشياء: التسبيح والتحميد والسجود والعبادة.

والمعنى: فافزع إليه سبحانه والتجئ إليه فيما أصابك ونزل بك من ضيق الصدر ، ونزهه عن كل صفات العيب والنقص بكثرة التسبيح والحمد والذكر والصلاة و وإطالة القنوت والسجود فإن الله يكفيك ويكشف غمك ويشرح صدرك ولقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا التوجيه الكريم فكان إذا حز به أمر صلى.

ثم أمره الله عز وجل بأن يداوم على العبادة دون توقف ولا انقطاع حتى يأتيه اليقين وهو الموت.

فعلى كل مؤمن أن يسبح الله وينزهه ويعظمه وأن يستمر على العبادة والذكر وأن يكثر من الطاعات كلما اشتد الظلام وازداد التكذيب والعناد فإن القلب إذا استنار بمعرفة الله وعظمته هانت الدنيا وما فيها ومن فيها، وكان ذلك إيذانًا بقرب الفرج والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إن أخطر شيء تصاب به الأمة هو الهزيمة النفسية والمهزوم نفسيًا تخور قواه وتنهار، لا يستطيع الصمود ولا المقاومة إنه ينهزم أمام عدوه، ويتخلى عن سلاحه وأسباب قوته. وأول ما يدخل النقص والهزيمة إلى الفكر والعقيدة وإلى التصور وتغيير الهوية.

فإذا ما شك الإنسان في دينه وظن بالله ظن الجاهلية ثم أخذ يتخلى عن التمسك بدينه والتنازل عنه أو المساومة عليه حين يصنع ذلك يكون قد سقط في الفخ ووقع في الهزيمة المادية والمعنوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت