فهرس الكتاب

الصفحة 2376 من 27345

وأما الأعراض فهي كالألوان ، والطعوم ، والروائح ، والأصوات ، وما يسمونه الكيفيات النفسية كالعلم ، والإرادة ، والقدرة ، وكل ما لايمكن الإشارة إليه من الموجودات ، ولا يقوم بنفسه كالاجتماع ، والافتراق ، والحركة ، والسكون ، وزعم أكثرهم أن الأجسام لا تخلوا من الأعراض ، أما من قال بالجواهر الفردة فلأنها متركبة منها فلا تخلوا من عرض الاجتماع ، وقال بعضهم لاتخلوا من الحركة ، والسكون ، أو الاجتماع ، والافتراق ، وقال بعضهم: لا تخلوا من جميع أنواع الأعراض . [[ ينظر الإرشاد للجويني ص 44ـ 45، والتمهيد للباقلاني ص 39ـ 40 ، وشرح العقائد ص 55ـ 57 ، والمواقف ص 101] ]

واشتهر عند الأشعرية أن العرض لا يبقى زمانين ، بل هي ـ أي الأعراض ـ تتجدد حالًا فحالًا ولما أورد عليهم بأن المشاهدة قاضية ببقاء الأعراض قالوا: لا دلالة لها كالماء الدافق من الأنبوب يجري مستمرًا وهو أمثال تتوارد (4) . [[ ينظر المواقف 101، والتمهيد ص 38] ]

هذا و لهم في هذه المباحث تفاصيل ، وجدال طويل ومعارضات ، وأدلة يسودون بها الصفحات في الجوهر والعرض ، فكم تناظروا في الجوهر الفرد ، وهل السكون عرض ، وأن الأجسام متماثلة في الأصل ، وينقض بعضهم قول بعض في تفاصيل تتعلق بالجواهر والأعراض ، مما لا يخفى على المطلع على طائفة من كتبهم ولو كانت قليلة.

لكن هذه الجملة المتقدمة أظهرت أعظم مسائل جواهرهم وأعراضهم ، بما فيهم المعتزلة وهي مادة غالب كلامهم في باب الصفات ، وإنما قدمت لتتضح دلائلهم فيما يأتي.

وأما الركن الثاني:

ــــــــــ

فهو أن المتكلمين أحدثوا طرقًا في إثبات حدوث العالم وصانعه ، بنوا عليها صحة الدين ، ورأوا اطرادها ، وقد بنوها على ما تقدم في الركن الأول .

ورؤوسها ثلاث طرق ، وهي:

الطريقة الأولى:

ــــــــــــ

يقولون فيها ما مثاله (1) [[ ينظر في هذه الطريقة ، الإرشاد للجويني ص 39ـ 48، ولمع الأدلة له ص 76ـ 80، التمهيد 41، 42، شرح العقائد ص 54ـ 56] ]

العلم أما جوهر أو عرض ، فإذا ثبت حدوثهما فالعالم حادث ، ونحن نثبت حدوث الأعراض ونبني عليه حدوث الجواهر ، فنقول: إن الجواهر لا تتعرى عن الأعراض البتة ، فأما إن صح وجود الجوهر الفرد ، فلا تنفك الجواهر عن عرض الاجتماع ، أو الافتراق ، وأما إن لم يصحّ فالحركة والسكون ، أو غيرها من الأعراض .

والأعراض حادثة لأنها تتعاقب على محالها التي هي الجواهر ، فنستيقن حدوث الطارئ منها من حيث وجدت ونعلم حدوث السابق من حيث عدمت ، لأن وجود الشيء بعد عدمه أو عدمه بعد وجوده دليل على حدوثه ، والحوادث لابد لها من مبدأ ، إذ لا يصحّ حوادث متسلسلة لا أول لها ، ويعنون بالحادث ما سبقه عدم .

فينتج من هذه المقدمات حدوث الجواهر إذ ما لا ينفك عن الحوادث التي لها مبدأ ، حادث مثله ضرورة ، فينتج حدوث العالم ، إذ هو بأسره ، جوهر أو عرض ، والحادث لابد له من محدث أحدثه وهو الله تعالى .

وقد عد بعضهم هذه الطريقة ، العمدة في إثبات وجود الله ، وجعل الدين مبنيا عليها (1) . [[ حكاه ابن تيمية عن أبي المعالي ، الدرء 1/303، ويدل عليه كلامه في الإرشاد ص 151] ]

الطريقة الثانية:

ــــــــــــ

وهي مبنية على القول بتماثل الأجسام ، وأشهر من قال بها أبو المعالي رحمه الله ، فإنه استدل بأن الأجسام في الأصل متماثلة ، وإنما يحصل الاختلاف بينها لاختصاص كل جسم بأعراض تخصه ، كما تقدم بيانه ، واختصاص كل جسم بما له من الصفات دون غيرها - كالحيز الذي هو فيه دون غيره ، والحد والنهاية الذي هو عليها دون غيرها - مفتقر إلى مخصص خصصه على هذه الصفات ، والمفتقر إلى غيره حادث والحادث لابد له من محدث وهو الله جل وعز.

وقد يسمون هذه الطريقة ، طريقة إمكان الأعراض ، والممكن عندهم هو ما لايجب وجوده ولا عدمه ، والواجب يجب وجوده ، والممتنع ما يجب عدمه وظاهر أن الممكن محدث والمحدث بحاجة إلى محدث (2) . [[ ينظر في هذه الطريقة ، الرسالة النظامية 16ـ 27، وقد ذكر ابن رشد أن الذي استنبطها هو أبو المعالي ، ثم شرحها ابن رشد بإيجاز ووضوح ، مناهج الأدلة ص 144، وينظر أيضا مقدمة الدكتور محمود حسين للكتاب ص 15 ، وكذلك الدرء لان تيمية 3/75ـ 76، وهذه الطريقة تنصب على إثبات الصانع بدون توسط إثبات حدوث جميع الجواهر ، كما صرح بذلك الرازي فيما نقل عنه في المصدر السابق ] ] .

الطريقة الثالثة:

ـــــــــــ

وهي مبنية على تركيب الأجسام من الجواهر المفردة ، ويقال فيها: إن الأجسام مركبة ، والمركب مفتقر إلى أجزائه ، والمفتقر إلى غيره ممكن ، والممكن محدث ، وإذا كانت الأجسام ممكنة محدثة فالأعراض التي لا تقوم إلاّ بها أولى بالإمكان والحدوث ، فالعالم محدث والمحدث لابد له من محدث (3) . [[ ينظر شرح المواقف للجرجاني 3/2، 5] ]

استنباط مما مضى:

ـــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت