ويستنبط من هذه الطرق ، أنها كلها ، مبنية على الجسم ، بالاصطلاح الذي وضعوه ، ومضمونها أن الشيء إذا كان في جهة ، ويشار إليه فهو جسم حادث ، وإن دليل حدوثه من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: عدم انفكاكه عما يطرأ ويزول فهذا يدل على الحدوث.
الجهة الثانية: اعتوار الصفات الجائزة إياه - أي التي يجوز ألا تكون كما هي - كوجوده في حيز معين أو مقدار معين وحد معينين ، دون غيرها - فهذا يدل على افتقاره إلى مخصص وهو دليل على الإمكان ، والممكن لابد له من مؤثر يرجح جانب وجوده على عدمه فهو محدث.
الجهة الثالثة: تركيبه دليل على افتقاره إلى ما تركب منه والافتقار دليل الإمكان .
ملحوظة:
ـــــ
يلاحظ أن الطرق السابقة هي استدلال بحدوث الجواهر ، وإمكانها كما هي الأولى والثالثة ، وإمكان الصفات - وهي الأعراض - كما هي الثانية ، وبقي الاستدلال بحدوث الصفات ، وقد يذكر مع الطرق السابقة أيضًا ، لكن الطريقة الأولى والثانية أشهر ، والأولى من الثانية وهي في الأصل للمعتزلة (1) [[ ممن ذكرها الرازي فإنه قال: الاستدلال على الصانع إما أن يكون بالإمكان ، أو الحدوث ، وكلاهما إما في الذات ، وإما في الصفات ، وينظر معالم أصول الدين للرازي ص 38 ، وذكر مثل هذا في المواقف ص 266، وقد اقتصر على هذه الطريقة الأشعري في اللمع ص 17ـ 18 ، واقتصر على الأولى كل من الجويني في إرشاده ولمعه ، والباقلاني في تمهيده ، والتفتازاني كما تقدم عنهم جميعا ، وكذلك اقتصر عليها السنوسي في شرح أم البراهين (151ـ 154) ] ]
( والاستدلال بحدوث الصفات ، هو جزء من طريقة القرآن فإن الله سبحانه يذكر في آياته ما يحدث في العالم من السحاب والمطر والنبات والحيوان ، وغير ذلك من الحوادث ، لكن القائلين بالجوهر الفرد من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم يسمون هذا إستدلالًا بحدوث الصفات بناء على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها لكن تغير صفاتها) . [[ ينظر كلام ابن تيمية الدرء 3/83] ]
ولهذا يقول الرازي في التمثيل لهذه الطريقة (( مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء انسانًا ) ) [[ عزاه في حاشية الدرء إلى نهاية العقول في دراية الأصول للرازي مخطوط ، ينظر العزو في الدرء 3/ 82] ] وليس في هذا دليل على حدوث الجواهر الحاملة لهذه الأعراض - كما لا يخفى - ولهذا عاد الأشعري رحمه الله بعد ذكر هذه الطريقة إلى الاستدلال على حدوث النطفة - التي مثل بها لهذه الطريقة - بعدم انفكاكها عن الأعراض كما ذكر في الطريقة الأولى السابقة . [[ ينظر اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ص 18ـ 19] ] .
كما أن هذه الطريقة ليس فيها ما يقتضي إلاّ يكون صانع العالم جسمًا ، بالمعني الكلامي ، كما قال الرازي ( والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها ، أن الأول يقتضي ألا يكون الفاعل جسمًا ، والثاني لا يقتضي ذلك ) [[ ينظر العزو إلى كتاب الرازي دراية الأصول الذي مر ذكره آنفا ] ] ، واقتضاء طريقة الإمكان لما ذكر بسبب بناؤها على تماثل الأجسام .
وسيأتي الكلام على هذه الطريقة القرآنية ، وأنها ليست في حدوث الصفات فحسب ، بل الله تعالى أشهدنا حدوث الذوات ، والصفات ، ليجعل ذلك دليلًا على نفسه تبارك وتعالى .
وهكذا ، استعمل أهل الكلام ، الجواهر والأعراض ، وأحكامهما لاثبات حدوث العالم ثم إثبات صانعه ، وهو الله عز وجل ، فرأوا أن الاستدلال بالسمع مبني على هذه الأدلة العقلية ، التي اثبت بها وجود الله منزل الوحي - سبحانه وتعالى - ، فقدموها ، وحكموا بها على الوحي كما سيأتي عند ذكر أدلتهم على أن نصوص الصفات من المتشابه الذي يجب حمله على خلاف ظاهره .
فإن هذه الطرق أنتجت لهم الأدلة التي سيستدلون بها على معارضة السمع وصرفه عن ظاهره .
ثانيا: ذكر ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات الإلهية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدليل الأول:
ـــــــ
أن إثبات الصفات لله ، على أنها معاني زائدة على ذاته لا يخلو الأمر فيها ، إما أن تكون حادثة فيلزم حلول الحوادث بذاته ، أو تكون قديمة فيلزم أن يكون لله تعالى مماثلا في أخص وصفه وهو القدم ، فيتعدد القدماء ، وما لا يلزم منه إلاّ الباطل فهو باطل . (1)
[[ ينظر شرح الأصول الخمسي لعبد الجبار الهمداني ص 195ـ 196] ] .
وفيما تقدم ما يبين معنى قولهم (يلزم حلول الحوادث) وأنهم استدلوا بهذا على حدوث ما تحل به الحوادث ، ولذلك منعوا هذا هنا .
الدليل الثاني:
ــــــــ
أن إثبات الصفات ، نسبة للأعراض إليه سبحانه وتعالى ، والأعراض لا يجوز أن يوصف الله بها إذ هي دليل على أن ما قامت به فهو جسم حادث (2) . [[ المصدر السابق 201] ]
الدليل الثالث:
ــــــــ
أن إثبات الصفات يلزم منه نسبة التركيب إلى الله ، وانه مركب من الذات والصفات والمركب مفتقر إلى غيره فهو ممكن ، والله تعالى واجب الوجود بنفسه. (1) [[ ينظر المجموع 6/339] ]