"وأخطأ على الإسلام من قال: إن الدين الإسلامي دين المساواة؟ بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين، والتفريق بين المتفرقين، ومن أراد بالمساواة العدل فقد أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ. ولهذا كان أكثر ما جاء في القرآن نفي المساواة (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ) [سورة الزمر: 9] ، (( هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ) ) [سورة الرعد: 16] ، (( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا ) ) [سورة الحديد: 10] ، (( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ) ) [سورة النساء: 95] ، ولم يأتِ حرفٍ واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبدًا، إنما يأمر بالعدل" [شرح العقيدة الواسطية للعلامة ابن عثيمين - رحمه الله: 189 بتصرّف يسير] ; .ومثل دعوى المساواة، دعوى الديمقراطية، ودعوى الوحدة الوطنية، والدعاوى القومية، ومزاعم الحريات الفردية، والحقوق الإنسانية:
[البيتين نسبهما ابن خلدون في مقدمته لابن شرف هكذا، انظر المقدمة: 113، ولهما روايات أخرى]
ومثال الثاني: الإرهاب، وهو مادة هذا البحث.
الإرهاب لغةً:
الإرهاب: مصدر أرهب، يُرْهِبُ، إرهابًا، جذره رهب، قال في القاموس:"رَهِبَ كعلِم رَهْبَة ورُهْبًا بالضم وبالفتح وبالتحريك، ورُهْبانًا بالضم ويحرك: خاف ... وأرهبه واسترهبه: أخافه" [القاموس المحيط للفيروزآبادي: 118، انظر مختار الصحاح للجوهري:109، ومعجم العين للخليل: 4/47، والمغرب: 354، والمصباح المنير: 241] ،"والراهب: اسم فاعل من رهب إذا خاف، وهو مختص بالنصارى" [المطلع على أبواب المقنع: 1/211] ; . وبذلك يبدو أن هذه المادة يدور معناها على: الخوف.
قال عنترة:
والمعنى تخاف.
وللأعشى:
أي يخاف.
ولطرَفة بن العبد:
أي أخاف الليل.
أمّا المصدر إرهاب، فقد جاء عندهم في نحو كلمة ابن حيّوس: محمد بن سلطان ابن محمد الغنوي، في قصيدته:
قال:
غير أن هذا لا يعني أن رهب مرادف لخاف، فاختلاف مباني الألفاظ عند العرب دليل اختلاف بين معانيها، ولو كان يسيرًا، قال الطوفي:"إن العلماء كثيرًا ما يفرقون بين المعاني والدلالات باختلاف الحروف، كقولهم البيض كله بالضاد إلاّ بيظ النمل فإنه بالظاء" [شرح مختصر الروضة: 1/14] ; ، قال ابن قتيبة:"وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون تقارب ما بين اللفظين كتقارب ما بين المعنيين، كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلاّ عند الضرورة: شروب، ولما كان دونه مما يتجوز فيه: شريب، وكقولهم لما ارفضّ على الثوب من البول إذا كان مثل رؤوس الإبر: نضح ... فإن زاد على ذلك قيل له نضخ...، وكقولهم للقبض بأطراف الأصابع: قبص، وبالكف: قبض..." [تأويل مشكل القرآن: 53-54 باختصار] ; ، إلى آخر ما ذكر من أمثلة.
والشاهد أن اختلاف مباني الألفاظ يدل على اختلاف معانيها، ولهذا قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة، قال أبو القاسم الجنيد، الخوف: توقع العقوبة على مجاري الأنفاس. وقيل الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل الخوف: قوة العلم بمجاري الأحكام. وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه. وقيل الخوف: هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية من العلماء بالله، قال الله تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ) [سورة فاطر: 28] فهي خوف مقرون بمعرفة.. فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان:"
إحداهما: حركة للهروب منه وهي حالة الخوف.
والثانية: سكونه وقراره في مكانه لا يصل إليه فيه، وهي الخشية، ومنه: انخش الشيء، والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضى البازي وتقضض.
وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى، يجمعهما اشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع، وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته، وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة. والإجلال تعظيم مقرون بالحب" [مدارج السالكين لابن القيم:549-550] ."
قال ابن منظور:".. وفي الحديث: السلطان ظل الله ورمحه، استوعب بهاتين الكلمتين ما على الوالي للرعية: أحدهما الانتصاف من الظالم، والإعانة، لأن الظل يُلجأ إليه من الحرارة والشدة، والآخر إرهاب العدو"، ثم علل فقال:"ليرتدع عن قصد الرعية وأذاهم فيأمنوا بمكانه من الشر" [لسان العرب، مادة رمح: 2/452] .
وتبيّن من ذلك أن الإرهاب تخويفٌ يبعث على الإمعانٍ في الهرب من المكروه؛ والإمعان في الهرب من المكروه قد يكون بكفٍّ وانحباسٍ عن فعل، ويكون بابتغاء الأسباب التي تجنّب المكروه ويكون بها الهروب منه.