فهرس الكتاب

الصفحة 23794 من 27345

ولذا سُمِّي قدع الإبل عن الحوض وصرفها عنه إرهابًا [القاموس: 118، وانظر أيضًا معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 2/447] .

الإرهاب شرعًا:

جاءت مادة (رهب) في نصوص الشريعة متعلقةً بأمور أربعة:

الأول: عبادة المؤمنين لله رب العالمين، في معرض الطلب والخبر.

الثاني: معاملة المؤمنين لأعداء الله من الكفار والمنافقين، جاءت في معرض الأمر والخبر.

الثالث: حمل الناس على أمر نهى عنه الشرع، جاءت في معرض النهي والذم.

الرابع: القيام بأفعالٍ معينة، إمعانًا في الهرب ممن لا يوصف بأحكام المكلفين.

أما الأول: فالخبر في نحو حكاية الله عن كوكبةٍ من أنبيائه: (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين ) ) [سورة الأنبياء: 90] .

والمعنى أنهم"يتعوّذون بنا من الأمور المرهوب منها من مضارّ الدارين" [تيسير الكريم الرحمن للعلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله: 530] ، أو يكون المعنى أنهم يسارعون في الخيرات رغبًا فيما عند الله ورهبًا مما عنده [ونحوًا من هذا نقله ابن كثير عن الثوري في التفسير: 3/193] .

وعلى كلا المعنيين لا يخرج مفهوم المادة عن المعنى اللغوي، الذي هو خوف يقودهم إلى تعوذ من مخوف إمعانًا في الهرب، أو هو خوف يقودهم إلى المسارعة في الخيرات إمعانًا في الهروب من المكروه.

وأمّا الطلب: ففي نحو قوله تعالى: (( وإيّاي فارهبون ) ) [سورة البقرة: 40] بعد أن أمرهم بالوفاء بالعهد"أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهدهم وهو الرهبة منه تعالى" [تيسير الكريم الرحمن: 50] الرهبة من أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان من قبلهم من آبائهم من النقمات التي عرفوا من مسخ وغيره [وهذا قول ابن عباس، انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/83] .

وعلى هذا يكون مفهوم المادة متعلقًا بمعناها اللغوي، فالرهبة: خوف من الله يبعث على فعل أمره واجتناب نهيه، طلبًا للسلامة من عقابه.

ويتبين من الخبر والطلب أن رهبة المؤمنين لله رب العالمين عبادة يجب أن تقوم في نفوسهم، بل يجب أن يفردوا الله بها، فإن قوله تعالى: (( وإياي فارهبون ) )"هو من قولك زيدٌ رهبته، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد" [الكشاف للزمخشري - رحمه الله: 1/276] .

تنبيه: ذكر بعض الفقهاء المصدر المتعدي (إرهاب) عند ذكر التغليظ في القسم، كالتحليف على المصحف أو الأمر بالقيام عند القسم واستقبال القبلة، قال في الشرح الكبير (لا باستقبال القبلة إلاّ أن يكون فيه إرهاب ..) [انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/228] ، ولا يخرج هذا عن ذكر المادة في معرض عبادة المؤمنين لله رب العالمين، إذ المعنى إلاّ أن يكون فيه استدعاء للرهبة من الله عند الحالف.

وأما الثاني: وهو ذكر مادة رهب متعلقة بمعاملة المؤمنين لأعداء الله من الكفار والمنافقين: فالخبر فيه من نحو قول الله تعالى: (( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) ) [سورة الحشر: 13] ،"رهبة: مصدر رهب المبني للمفعول، كأنه قيل أشد مرهوبية" [الكشاف: 4/85] ،"أي يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله" [تفسير القرآن العظيم: 4/340] ،"وهذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة، ويقرّر في الوقت ذاته الحقيقة المجردة، ويمضي يقرّر حالة قائمة في نفوس المنافقين الذين كفروا من أهل الكتاب تنشأ من حقيقتهم السابقة، ورهبتهم للمؤمنين أشد من رهبتهم لله، (( لا يقاتلونكم جميعًا إلاّ في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) )، وما تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في تشخيص حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان بشكل واضح للعيان، ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بين المؤمنين الفدائيين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة، فما كانوا يقاتلونهم إلاّ في مستعمرات محصنة في أرض فلسطين، فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولّوا الأدبار كالجرذان حتى لكأن هذه الآية نزلت فيهم ابتداءً، وسبحان العليم الخبير!" [تفسير الظلال: 6/3529] .

وهنا نلحظ كذلك علاقة المعنى اللغوي بمفهوم الإرهاب الشرعي، فقيام الخوف بنفوسهم قادهم إلى هروب من مباشرة القتال إلاّ في قرى محصنة أو من وراء جدر، وهو شبيه بما جاء في كلمة الأعشى السابقة [وبلدة يرهب الجوّاب دلجتها...حتى تراه عليها يبتغي الشيعا - فهو أمعن في الهروب من الانفراد في المسير، فابتغى الشفيع والشيع] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت