وقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقًا، لهم درجات عند ربهم، ومغفرة، ورزق كريم) (8)
فوصف الله المؤمنين بهذه الصفات المتضمنة للقيام بالإيمان به إيمانًا: ظهرت آثاره في عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة، وأنه - مع ثبوت الإيمان في قلوبهم - يزداد إيمانهم كلّما تُليت عليهم آيات الله، ويزداد خوفهم ووجلهم كلما ذُكر الله، وهو في قلوبهم وسرهم، متوكلون على الله، ومعتمدون في أمورهم كلها عليه، ومفوضون أمورهم إليه، وهم مع ذلك يقيمون الصلاة فرضها ونفلها: يقيمونها ظاهرًا وباطنًا، ويؤتون الزكاة، وينفقون النفقات الواجبة والمستحبة. ومن كان على هذا الوصف فلم يبق من الخير مطلبًا، ولا من الشر مهربًا. ولهذا قال: (أولئك هم المؤمنون حقًا) ، الذين يستحقون هذا الوصف على الحقيقة، ويحققون القيام به ظاهرًا وباطنًا ، ثم ذكر ثوابهم الجزيل - المغفرة المؤدية لزوال كل شر ومحذور، ورفعة الدرجات عند ربهم، والرزق الكريم المتضمن من النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقال تعالى: (قد أفلح المؤمنون: الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (9)
ففسر الله الإيمان - في هذه الآيات بجميع هذه الخصال، فإنه أخبر بصلاح المؤمنين، ثم وصفهم بقوله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) إلى آخر الآيات المذكورة - فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقًا. ومضمونها: القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات. وبتكميلهم للإيمان استحقوا ورثة جنات الفردوس التي هي أعلى الجنات، كما أنهم قاموا بأعلى الكماليات.
وهذه صريحة في أن الإيمان يشمل عقائد الدين وأخلاقه، وأعماله الظاهرة والباطنه. ويترتب على ذلك: أنه يزيد بزيادة هذه الأوصاف والتحقق بها، وينقص بنقصها، وأن الناس في الإيمان درجات متفاوتة بحسب تفاوت هذه الأوصاف. (10)
ولهذا كانوا ثلاث درجات: سابقون مقربون، وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وفضول المباحات، ومقتصدون، وهم: الذين قاموا بالواجبات، وتركوا المحرمات، وظالمون لأنفسهم، وهم: الذين تركوا بعض واجبات الإيمان، فعلوا بعض المحرمات، كم ذكرهم الله بقوله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير) . (11)
وقد يعطف الله على الإيمان، والأعمال الصالحة أو التقوى أو الصبر، للحاجة إلى ذكر المعطوف ، لئلا يظن الظان أن الإيمان يُكتفى فيه بما في القلب، فكم في القرآن من قوله (12) : (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ثم ذكر خبرًا عنهم. والأعمال الصالحات: من الإيمان، ومن لوازم الإيمان. وهي التي يتحقق بها الإيمان. فمن ادعى أنه مؤمن وهو لم يعمل بما أمر الله به ورسوله من الواجبات، ومن ترك المحرمات فليس بصادق في إيمانه، وهذا من وسطية القرآن واستقامته واعتداله وحكمته في هذا الباب .
كما يقرن بين الإيمان والتقوى، في مثل قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) (13)
فذكر الإيمان الشامل لما في القلوب: من العقائد والإرادات الطيبة، والأعمال الصالحة، ولا يتم للمؤمن ذلك حتى يتقى ما يسخط الله من الكفر والفسوق والعقبات ولهذا حقق ذلك بقوله: (وكانوا يتقون)
كما وصف الله بذلك خيار خلقه، بقوله: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم، وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلًا من الله ونعمة، والله عليكم حكيم) . (14)
فهذه أكبر المنن أن يحبب الله الإيمان للعبد، ويزينه في قلبه، ويذيقه حلاوته، وتنقاد جوارحه للعمل بشرائع الإسلام، ويبغّض الله إليه أصناف المحرمات، والله عليم بمن يستحق أن يتفضل عليه بهذا الفضل، حكيم في وضعه في محله اللائق به, كما ثبت في الصحيح - من حديث أنس رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب الله إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع عن دينه، كما يكره أن يُقذف في النار) (15)