فهرس الكتاب

الصفحة 23809 من 27345

فذكر أصل الإيمان الذي هو محبة الله ورسوله، ولا يُكتفى بمطلق المحبة، بل لابد أن تكون محبة الله مقدمة على جميع المحاب ،وذكر تفريضها: بأن يحب لله، ويبغض لله فيحب الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين؛ لأنهم قاموا بمحاب الله واختصهم من بين خلقه، وذكر دفع ما يناقضه وينافيه، وأنه يكره أن يرجع عن دينه أعظم كراهة، تقدر أعظم من كراهة إلقائه في النار.

وأخبر في هذا الحديث: أن للإيمان حلاوة في القلب، إذا وجدها العبد سلته عن المحبوبات الدنيوية، وعن الأغراض النفسية، وأوجبت له الحياة الطيبة، فإن من أحب الله ورسوله لهج بذكر الله طبعًا - فإن من أحب شيئًا أكثر من ذكره - واجتهد في متابعة الرسول، وقدّم متابعته على كل قول، وعلى إرادة النفوس وأعراضها. من كان كذلك . فنفسه مطمئنة مستحلية للطاعات، قد انشرح صدر صاحبها للإسلام، فهو على نور من ربه، وكثير من المؤمنين لا يصل إلى هذه المرتبة العالية (ولكل درجات مما عملوا...) . (16)

وكذلك في الصحيحين - من حديث أبي هريرة - أنه صلى الله عليه وسلم قال:"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان) (17) وهذا صريح: أن الإيمان يشمل أقوال اللسان، وأعمال ألجوارح، والاعتقادات والأخلاق، والقيام بحق الله، والإحسان إلى خلقه. فجمع في هذا الحديث بين أعلاه وأصله وقاعدته - وهو قول: لا إله إلا الله، اعتقادًا، وتألّهًا، وإخلاصًا لله- وبين أدناه، وهو: إماطة العظم والشوكة، وكل ما يؤذي عن الطريق فكيف بما فوق ذلك: من الإحسان وذكر الحياء ، - والله أعلم - لأن الحياء به حياة الإيمان، وبه يدع العبد كل فعل قبيح كما به يتحقق كل خلق حسن، وهذه الشعب - المذكورة في هذا الحديث - هي جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة."

وهذا - أيضًا - صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف السنة مع مخالفته لنصوص الشارع كما ترى (18) والانقياد لحكم الله ورسوله من علامات الإيمان قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، ويسلموا تسليمًا) (19)

فأقسم تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، ولا يبقى في قلوبهم حرج وضيق من حكمه وينقادوا له انقيادًا، وينشرحوا لحكمه. وهذا شامل في تحكيمه في أصول الدين، وفي فروعه، وفي الأحكام الكلية، والأحكام الجزئية. (20)

وفي صحيح البخاري عن أنس مرفوعًا:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". (21)

وذلك يقتضي أن يقوم بحقوق إخوانه المسلمين الخاصة والعامة، فإنه من الإيمان, ومن لم يقم بذلك ويحب لهم ما يحب لنفسه، فإنه لم يؤمن الإيمان الواجب، بل نقص إيمانه بقدر ما نقص من الحقوق الواجبة عليه. (22)

وفي صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب (23) رضي الله عنه قال - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا" (24) والرضا بذلك يقتضي الفرح بذلك، والسرور بربوبية الله له، وحسن تدبيره وأقضيته عليه، وأن يرضى بالإسلام دينًا، ويفرح به، ويحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر المنن؛ إذ رضي الله له الإسلام ووفقه له، واصطفاه له. ويرضى بمحمد- صلى الله عليه وسلم - نبيًا؛ إذ هو أكمل الخلق، وأعلاهم في كل صفه كمال، وأمته وأتباعه أكمل الأمم وأعلاهم، وأرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

فالرضا بنبوة الرسول ورسالته، واتباعه من أعظم ما يثمر الإيمان، ويذوق به العبد حلاوته، قال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة,وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (25)

قال تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) . (26)

فكيف لا يرضى المؤمن بهذا الرسول الكريم الرؤوف الرحيم، الذي أقسم الله أنه لعلى خلق عظيم، وأشرف مقام للعبد انتسابه لعبودية الله، واقتداؤه برسوله، ومحبته واتباعه، وهذا علامة محبة الله، وباتباعه تتحقق المحبة والإيمان.

قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم...) (27)

وفي صحيح مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الشقفي - قال قلت: يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولًا، لا أسال عنه أحدًا بعدك. قال: (قل آمنت بالله ثم استقم) . (28)

فبين النبي صلى الله عليه وسلم - بهذه- الوصية الجامعة - أن العبد إذا اعترف بالإيمان قولًا وعملًا، فعلًا وتركًا: فقد كمل أمره، واستقام على الصراط المستقيم ، ورُجي له فلاح الدارين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت