فهرس الكتاب

الصفحة 23821 من 27345

إن الساعات الحاسمة في التاريخ هي الساعات التي تتحول فيها الأمة كلها إلى (ورشة عمل) ، كلٌّ له مكانه وكل له مكانته، يشعر كل فرد أنه يشارك في البناء بل إنه ضروري لهذا البناء، هكذا قام المجتمع الإسلامي الأول عندما شارك المسلمون كلهم في بناء المسجد بمن فيهم قائد هذا المجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين وتنازلوا عن شطر أموالهم، ونفَّذوا هذا عمليًا ولم يكتفوا بالأدبيات والكلام عن الأخوة الإسلامية أو (يجب علينا أن نبني مسجدًا!) .

لا شك أنّ الخطوة الأولى هي الاتفاق المخلص والتعاون الصادق، ولكن كم نتمنى أن يتلو هذه الخطوة خطوات. فإحياء الأمة ودعوتها إلى استئناف دورها الخيري لا يتأتى إلا بأعمال كبيرة، وأرجو أن لا تقف طموحاتنا عند الحد الأدنى والذي إذا استمر لا ينتج إلا الضعف، وتمر السنون دون أن نحقق عملًا كبيرًا يرضي الله ويغيظ أعداء الإسلام ويشفي صدور قوم مؤمنين.

أين الولاية والنصرة؟

من المبادئ الأساسية في الدعوة الإسلامية: التعاون والتناصر والتناصح بين المؤمنين. وتطبيق مبدأ الأخوة تطبيقًا عمليًا لا يتأتى بدون تلك المعاني، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: (إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون) [سورة المائدة: 55 ــ 56 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ــ كما في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) )، ويقول ــ كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ).

ونحن الإسلاميين بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق:

سؤال تجيب عنه أحوالنا:

هل يوالي بعضنا بعضًا، وينصر بعضنا بعضًا حتى يوالينا الله وينصرنا على أعدائنا؟

سؤال يجيب عنه واقعنا:

هل نعادي الأعداء حقًا، ونطيع أمر الله بالإعداد والاستعداد لهم؟

سؤال يجيب عنه المستضعفون منّا:

هل نؤدي واجب النصرة لإخواننا ضد أعدائهم وأعدائنا بما يرفع الكرب عنهم والإثم عنا؟

سؤال سيعاد علينا يوم بعثنا.

إن هذه التساؤلات وغيرها ستظل تتهاوش في فضاء واقعنا المؤلم، حتى نضع لها إجابات بالعمل قبل القول، وبالحركة مع التنظير، وبالإتقان المقترن بالنية؛ فالتحديات التي تواجه الإسلاميين اليوم وقبل اليوم، وفي الغد وبعد الغد، تفرض عليهم أن يكونوا على مستوى المرحلة، وعلى مستوى المسؤولية، وعلى مستوى الأمانة.

من أخص صفات أولياء الله أنهم يوالون من والى الله، ومن ذلك أن نكون نحن الإسلاميين أفرادًا وجماعات كالبنيان المرصوص كما يحب الله؛ فأين رصّنا؟ بل أين بنياننا؟ أين الذلة على المؤمنين مع العزة على الكافرين؟ أين فريضة التعاون على البر والتقوى؟ أين سجية التراحم والتناصح والتسامح؟ أين إخباتنا وخشوعنا وضراعتنا إلى الله ومجافاة الهجوع بالدعاء والرجاء؟

أين دعمنا للصامدين الصابرين الذين يدافعون نيابة عنا، ويخففون الإثم عن كواهلنا، ويدفعون الشر عن أبوابنا؟

أين وأين؟ نتساءل وحق لنا أن نتساءل: ألسنا مكلفين قبل سائر المكلفين بحمل أعباء هذا الدين؟ وحماية جنابه من شرور الأعداء الظالمين؟ أعداؤنا استعدوا بالدين الباطل لنا، فأين استعدادنا بالدين الحق لهم؟ أعداؤنا يطرقون أبوابنا وبأيديهم توراة وإنجيل محرفان؛ فهل أوصدنا تلك الأبواب، وصددنا ذلكم الطغيان وبأيدينا السُّنَّة والقرآن؟

متى نتصارح.. حتى نتصالح؟

الأمة جريحة، ولكن أخشى أن نكون أخطر جراحها، ولو صلحنا لأصلح الله حالها بنا، ولأنزل النصر عليها إكرامًا لسعينا وعملنا وجهادنا، ولغيَّر ما بها وبنا بتغييرنا لأنفسنا (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) [سورة آل عمران: 103] ، يا الله ماذا لو اعتصمنا بحبل الله (جميعًا) ماذا يكون حالنا؟ إننا سنكون كل شيء ولن يقف أمام اعتصامنا بالله أي شيء.

نحن أمام مسؤوليات جسام تستدعي تجييش أمة، وإعداد شعوب، وترتيب طاقات، وحشد إمكانات، نحن أمام عدو عادٍ وعاتٍ متجبر مزود بأحدث وأخطر سلاح، ومدعوم من أخبث وأطغى القوى، ومجهز بأمكر وأكبر الخطط. لنغتنم اللحظة، ولننتهز الفرصة، ولنوحد صفوفنا أمام التحديات والمحن؛ فتلك فريضة الوقت.. ولنطهر قلوبنا من البغضاء والشحناء والإحن؛ فتلك أمانة المرحلة.. ولننظر بعين المسؤولية إلى خطورة الواقع؛ فتلك رسالة الساعة، ورسالتنا بوصفنا مصلحين في الأمة، لن يؤديها غيرنا، مهما تمنينا على الله الأماني.

من المفترض أن يقود الشعوب الإسلامية العلماء والدعاة، وإذا كانوا غير مؤهلين لذلك ولم يستطيعوا الجلوس على مائدة الحوار والتفاهم ومدّ جسور التعاون ويتوجوه بالاتفاق والتكامل فلمن تترك الساحة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت