فهرس الكتاب

الصفحة 23822 من 27345

إن الأصل أن يضيف بعضنا ما صنع من خير ولو قليلًا إلى جانب ما صنع إخوانه، لا أن ينزع بعضنا من الآخرين ما أنجزوه ليلقي به في تُرَعِ الضياع والضعف والضعة التي تصب جميعًا في نهر يحيا به الأعداء. ومع كل ذلك فالإسلاميون هم أولياء الله على الرغم مما يسرق الشيطان من كمال ولايتهم، فلا نعرف لله وليًا إن لم يكن أولياؤه هم عُمَّارَ المساجد، ومقيمي الصلوات، والباذلين للجود، والداعين إلى التوحيد، والمعلمين الخير للناس. ولكن أولياء الله بشر ممن خلق، يضعفون ويقوون، ويجتمعون ويتفرقون، ويطيعون ويعصون، ولذلك فهم يُنصَرون ويُهزمون، ويَعِزُّون ويذلون، بمقدار ما أخذوه من أسباب الولاية وأركان الهداية، وعوامل النصرة وموجبات العزة،ولا بد لنا أن نقيس قدر ولايتنا بما يتحقق فينا من ثمرات الولاية.

فمتى يتعصب الإسلاميون لبعضهم؟ متى يتعصب الإسلامي للإسلامي لمجرد أنّه إسلامي؟ متى يمتنع الإسلاميون ببعضهم من تسلط أعداءهم؟ وأين وصيته صلى الله عليه وسلم (( المسلمون يد واحدة على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ) )؟ لو تدبرنا القرآن لوجدنا أنه ذكر قصص الأنبياء وكيف امتنعوا بأقوامهم أو قبائلهم عصبية من أذى الكفار، قال تعالى حاكيًا عن شعيب عليه السلام وقومه: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ومَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) [سورة هود:91] . فهذه الآية تنبئنا أن الكفار لم يستطيعوا الوصول إلى شعيب بالأذى،خوفًا من قبيلته. وكذلك ذكر تعالى في صالح وقومه (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وإنَّا لَصَادِقُونَ) [سورة النمل: 49] ، فهم يخافون من أولياء صالح عليه السلام ــ عشيرته الأقربين ــ ولو فعلوا به سوءً لفعلوه سرًا، ولحلفوا لهم أنهم ما فعلوا شيئًا، وقال تعالى مخاطبًا نبينا عليه الصلاة والسلام: (ألم يجدك يتيمًا فآوى) أي آواك إلى عمك أبي طالب، قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى معلقًا على هذه الآيات:"وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، ولهذا لما كان نبي الله لوط عليه السلام ليس له عصبة ظهر هذا فيهم لقوله تعالى: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيد) [سورة هود: 80] " (1) . وهناك فرق بين الموالاة والمداهنة، وبين أن يعرض قريب أو صديق خدماته ومساعدته لمسلم ويستفيد المسلم من هذا لدفع ظلم أو تخفيف ضرر، ويبقى الأصل هو عدم موالاة الكفار وزجر أهل الفسوق والبدع، وكل هذا يحتاج لفقه في الدعوة واستقامة على الطريق.

شرعية العمل الجماعي:

لا شك أن العمل الجماعي واجب شرعي، ولا شك أن ما هو مطلوب من الجماعات من إنجازات لا يقدر فرد أو أفراد متفرقون أن يقوموا به، ومن هنا فليس من الإنصاف أن ننكر العمل الجماعي من خلال جماعات أهل السنة العاملة في الساحة الإسلامية، ولا أن يتخلى الأفراد عن جماعاتهم التي يتعاونون معها، ولكننا نريد من الجميع أن يدركوا أن ولاءهم لجماعاتهم يكون في إطار ولائهم للجماعة الأم: جماعة أهل السنة والجماعة، وأن لا يقدموا المصلحة المتوهمة لجماعتهم الصغيرة على المصلحة الشرعية الحقيقية للجماعة الكبيرة. فلا ترفع أسماء ورايات يدعى الناس إليها، ويترك الأصل الذي ينبغي الدعوة إليه، ولا تكون هذه الأسماء داعية للتعصب لشخص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكون هذه الأسماء هي ما يعقد عليها الولاء والبراء، بل الموالاة والمعاداة تكون على الإسلام، والدعوة تكون إلى جماعة أهل السنة، وليس إلى جماعة فلان أو طريق فلان، فنحن في أمسِّ الحاجة إلى دعوة مفتوحة عالمية لكل الأمة، والله عز وجل قد أنعم علينا وكفانا باسم الإسلام: (هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت