ولهذا لم ينكر العلماء دراسة المذاهب الفقهية للتعلم والتفقه في الدين لكنهم أنكروا جميعا أن يعادي المسلم أخاه المسلم لانه ليس على مذهبه ، وأن يجعل كلام علماءه ومذاهبهم هو الميزان الذي يحكم به على المؤمنين ــ دون كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والاجماع ــ فمن وافق العلماء الذين يعظمهم فضله مطلقا ، ومن خالفهم حط من قدره ، وكان هذا من أعظم أسباب تفرق الامة في التاريخ الاسلامي وتغلب أعداءها عليها 0
واليوم يمتطي هذه المطية ، بئست المطية ، بعض من ينتمي الى حركات الدعوة المعاصرة ، يعملون في وحدة الامة والاخوة الايمانية معاول الهدم والتفتيت ، من حيث يشعرون أو لايشعرون ، ويظنون أنهم مهتدون ، ويزيد جرمهم الشنيع شناعة ما يلقاه الاسلام هذه الايام من تكالب أعداءه عليه من كل جهة ورميه عن قوس واحدة ، وهم في غيهم يدعون الى الهجر والتقاطع والتحذير والتفريق بين المؤمنين ، بغير سلطان من الشرع ولاعقل أهل الاحلام والنهى ، فلا الاسلام نصروا ولا أعداءه كسروا ، بل صاروا مثل الخائن الذي يهتبل فرصة الضعف وشتات الامر فيغدر غدرة السوء عافانا الله من السوء 0
المقال الثاني
ـــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــ
ـالعلم حر
العلم هوالعدو التقليدي لكل المصالح الاستغلالية التسلطية ، السياسية والاجتماعية والحزبية ( حتى لو كانت اسلامية أحيانا ) ، اذ تأبى العقلية العلمية أن تدع الاشياء على ما هي عليه ، دون أن تقلبها وتتفحصها ، وتبقى في ريبة دائما منها ، ولاتطمئن حتى ترى فيها الانطباق التام على الحق 0
ولايستطيع ذو العقلية العلمية أن يبقى الحقيقة العلمية في نفسه اذا اكتشفها ، ومنع من الصدع بها ، لايستطيع لانها تغلي في صدره كغلي المرجل ، فاذا لم يتنفس عنها مات كمدا كما يموت الطير العاشق للحرية اذا حبس في القفص 0
العلم حر ويجب أن يبقى حرا لايخضع الا للحقيقة المدلول عليها بالوحي المحفوظ ، ويجب أن يسمح له بالتجول بحرية في كل مجالات الفكر ، لان العلم كالشمس لايجوز أن يسمح لاحد أن يحجبها عن أرض دون أرض أو قوم دون قوم 0
ولما جاء الاسلام جاء بهذا المعنى العظيم ، وأمر الله تعالى نبيه أن يصدع بالحق ويبلغه الناس جميعا ، ويزيل جميع الحواجز التي تقيمها المصالح الاستغلالية التسلطية في وجه وصول علم الحق الذي جاء به الى البشرية جميعا ( قل يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا ) ،ولان ماتضمنته رسالته هو أعظم الخير والهدي والفلاح لبني الانسان في عاجلتهم وآجلتهم ، أمر عليه الصلاة والسلام أن يجاهد من يقف في وجه هذا الخير ويحول بين الناس وبين معرفته ، ثم هم بعد ذلك بالخيار من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر 0
ومن النماذج في تاريخ علماء الاسلام ووعيهم لهذه الحقيقة ، حقيقة أن العلم حر لايجوز لاحد أن يضعه في حجر ، نموذج فريد لحرية البحث العلمي ،تمثل في شخصية شيخ الاسلام ابن تيمية ، يقول ابن عبدالهادي في العقود الدرية ، في شأن فتيا ابن تيمية في مسألة الحلف بالطلاق ( فما كان يوم السبت مستهل جمادى الاولى من هذه السنة( 718هـ) ورد البريد من دمشق ومعه كتاب السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الطلاق التي رآها الشيخ تقي الدين بن تيمية وأفتى فيها ، وصنف فيها والامر بعقد مجلس في ذلك ، فعقد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدارالسعادة ، وانفصل الامر على ما أمر به السلطان ، ونودي بذلك في البلد يوم الثلاثاء ، رابع الشهر المذكور 0
ثم ان الشيخ عاد الى الافتاء بذلك وقال: لايسعني كتم العلم 000
فلما كان بعد ذلك بمدة ، في يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب من سنة عشرين وسبعمائة ، عقد مجلس بدار السعادة حضره النائب والقضاة ، وجماعة من المفتين ، وحضر الشيخ ، وعاودوه في الافتاء بمسألة الطلاق ، وعاتبوه على ذلك ، وحبسوه بالقلعة ، فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوما ) ص215
وكأنك بكثير من المتنطعين والمتحزبين بالعصبية هذه الايام ، ودوا لو اتهموا شيخ الاسلام بمخالفة العلماء والخروج على ولاة الامر والتحريض على عصيانهم ، وأظنه لو كان حيا هذه الايام لما تورعوا عنه نعوذ بالله من الجهل والهوى