فهرس الكتاب

الصفحة 23988 من 27345

وصورة المسألة التي حبس بسببها هذا الامام أن الرجل اذا حلف على غيره أو نفسه ، بالطلاق كأن يقول علي الطلاق لتفعلن كذا أو لاتفعل كذا ، ثم حنثت يمينه ، فهل تطلق عليه امرأته ، فأكثر العلماء أنها تطلق بحنثه ليمينه ، ويحكى عليها الاجماع ، غير أن التهويل بحكاية الاجماع بضاعة المقلدين وهي لاتروج عند أهل العلم المحققين ، ولهذا استدل شيخ الاسلام ، على قوله بأنها يمين مكفرة ليست من باب الطلاق في شيء مالم ينو الطلاق ويريد ايقاعه ،استدل وصنف وأفتى وناظر وقام بحجته ورأى أن مجرد حكاية الاجماع أو مخالفة غالب علماء زمنه لايجوز أن ترد به أدلة الشرع ، ورأى أن كتم العلم لايجوز حتى لو أمر بذلك السلطان وأيده علماء الفتوى في زمنه ، فان القادر على الاستدلال اذا ظهر له الصواب في مسألة بالدليل لايحل له تركه لقول أحد كائنا من كان الا أن يعارض بنص من كتاب الله أو سنة رسوله أو الاجماع المتيقن القديم ، وحينئذ يكون من باب تعارض الادلة ولا يرد كلام المستدل بالدليل الشرعي بأنك خالفت العلماء ، هكذا على الاطلاق ، ولايرده هكذا الا جاهل بطرق الادلة الشرعية ومنازع الاستدلال في الشرع 0

ونظير هذه المسألة من اختيارات شيخ الاسلام التي خالف فيها غالب علماء زمنه ومن قبل زمنه ، قوله بجواز التيمم لمن خالف فوات العيد والجمعة باستعمال الماء مع حضور الماء ، وكان يميل أخيرا رحمه الله ــ كما حكى ابن عبدالهادي ــ الى توريث المسلم من الكافر الذمي وله في ذلك مصنف وبحث طويل ، وغيرها من المسائل التي لو اطلع عليها المتهوكون المتصايحون هذه الايام على كل من يخالف مقلديهم الذين يتعصبون لهم وأقاموهم مقام الكتاب والسنة ، لصاحوا به وسعوا في التحذير منه بكل سبيل عافانا الله من مسالك الردى0

ومما قال عنه الامام الذهبي ( وأطلق عبارات أحجم عنها الاولون والآخرون ، وهابوا ، وجسر هو عليها ، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام ، قياما لامزيد عليه وبدعوه وناظروه ، وكابروه وهو ثابت لايداهن ولايحابي ، بل يقول الحق المر الذي أداه اليه اجتهاده ، وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والاقوال ) العقود ص82

وقد تطايرت هذه الروح الجريئة التي اتسم بها هذا الامام المصلح فتنسمها كثير من المصلحين بعده ، فأيقظت في نفوسهم همة التجديد ، وكانت السبب الرئيسي في ما أحدثوه من تغيير في واقع الامة وتجديد دينها ، ولو أنهم رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وهابوا الصياح عليهم وتخويفهم بعدم الخروج على المألوفات لما كتب لهم النجاح 0

المقال الثالث

ــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــ

العلم والتقليد

من درر الحكم المنقولة عن السلف قول يحيى بن عمار: العلوم خمسة ، فعلم هو حياة الدين وهو علم التوحيد ، وعلم هو غذاء الدين وهو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث وعلم هو دواء الدين وهو علم الفتوى اذا نزل بالعبد نازلة احتاج الى من يشفيه منها كما قال ابن مسعود ، وعلم هو داء الدين وهو الكلام المحدث وعلم هو هلاك الدين وهو علم السحر ونحوه ) مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/146

وينفلق من هذه الحكمة حكم وحكم ، فان الدين لا يكون أصلا بلا توحيد فطلب علمه مقدم على كل شيء فهو بمنزلة نفخ الروح في الجنين ، ثم علم ما في الكتاب والسنة من معان وأحكام وما دل عليه القرآن من علوم وشرحته السنة من معارف هو غذاء الدين لابقاء للدين الا بهذا العلم ، فبالتوحيد حياته وبهذا العلم بقاؤه ، وهو بمنزلة

غذاء الحي الذي يحتاج اليه لاستمرار الحياة 0

وأما معرفة حكم نازلة معينة يحتاج العبد الى معرفة حكم الله فيها فدواء الدين ، لانه لولم تنزل به تلك النازلة فقد لايحتاج قط الى معرفة الحكم ، ولايضره عدم هذه المعرفة بخلاف علم معاني الكتاب والسنة وأحكامهما التي يحتاجها العبد دائما باطنا وظاهرا ، أما النوازل فيحتاجها العبد حاجة المريض الى الدواء ، ولهذا جاز التقليد في هذه الصورة لانه كالمضطر ، وهي منزلة العوام اذا احتاجوا الى معرفة حكم مسألة نزلت بهم ، وأما من يريد طلب العلم الذي هو غذاء الدين ، فانه وان احتاج الى التقليد في طريقه أحيانا لكنه يجعله سلما يرتقي به الى العلم ، ولايقف عنده ولو وقف عنده لم يكن طالبا للعلم بل طالب للجهل فان التقليد جهل باتفاق الناس ، والجهل مذموم مطلقا ، لكن قد يكون صاحبه معذورا فهذا باب آخر ، والله تعالى ذم الجهل وجعله من أسباب الكفر والخسران في القرآن ، والذي يعبد ربه على جهل يعبده على حرف ان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه 0

والعجب غياب هذه الحقيقة الساطعة ــ حقيقة أن العلوم أنواع يعطى كل نوع منها منزلته اللائقة به ــ عن قوم ينتسبون الى العلم ، فيكون غاية الطلب عندهم معرفة فتاوى في نوازل بعضها ليسوا هم من أهلها اصلا ، ونهاية علمهم فيها التقليد المحض 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت