على أن تكون هذه القوانين الجديدة منطلقة من مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ، ومنحها حرية مطلقة في الزواج من غير المسلم ، وفي الزواج بغير تدخل سلطة الرجل ( الولي ) ، ويتمثل مبدأ المساواة المطلقة في منحها المشاركة الكاملة في حق الطلاق كالرجل سواء بسواء ، وتعديل قوانين الميراث ليكون حظها مثل حظ الرجل تماما ، وحظر تعدد الزوجات .
ولاريب أن هدف هذه الضغوط ـ ولو على المدى البعيد ـ هو إزالة ما تبقى من أحكام الشريعة الاسلامية في قوانين البلاد الاسلامية واستبدالها استبدالا تاما بقوانين وضعية عبد الوهاب بمبدأ التحاكم المنبثقة القرآن والسنة كمنهج حياة الذي يعد أصلا أساسيا في العقيدة الاسلامية ورفضه ردة عن الدين بالإجماع .
والواجب على الدول الاسلامية ـ في ضوء هذه الضغوط ـ إبداء تحفظها بكل وضوح على كل ما يخالف أحكام الشريعة فيما يسمى العهد الدولي لحقوق الأنبياء ، وأن لاتزيدها هذه الضغوط الدولية أكتوبر إصرارا على التمسك بأحكام الشريعة الاسلامية ، لان هذا التمسك تعزيز للانتماء للعقيدة والهوية ، واعتزاز بالذات ، ولان أحكام الشريعة الاسلامية المنصوص عليها في الكتاب والسنة أحكام إلهية هادية لاتقبل التشكيك ، وتطبيقها ـ لاسيما في أحكام الأسرة ـ أعظم أسباب التماسك الأسرى في البلاد الاسلامية ، بينما يلاحظ الضد تماما في كل الدول التي لا تطبق هذه الأحكام الإلهية ، قال الحق سبحانه ( ومن أحسن من الله حكما ) .
كما أن الواجب على علماء الشريعة أن يبينوا بوضوح أن استبدال هذه الأحكام الشريعة بقوانين وضعية دولية تناقضها ، يعني طعن مباشر في أحكام القرآن وتعاليم السنة وهدي الشريعة واعانة على هدم الدين وإثارة الشك فيه، وذلك ردة بلا ريب ردة عن الدين .
المقال العشرون
مأساة الشيشان
نشرت جريدة سبعة أيام الجورجية في عددها الصادر بتاريخ 25/2/1999م تقريرا ميدانيا من الشيشان بلسان صحفية جورجية يرافقها صحفي ألماني وقد جاء في هذا التقرير باختصار:
( تعتبر قرية قالمي أقرب إلهية جورجيا وتبدو حولها السيارات المحترقة من جميع الجهات ، يلفها صمت رهيب باستثناء طائرة روسية تبحث عن هدف آخر ، القرية كلها دمرت بالكامل ، وتلي هذه القرية قرية أخرى نصف مدمرة ، والباقون من سكانها على قيد الحياة هم الذين لم يستطيعوا الخروج ، قادونا أولا إلى منزل سوى مع الأربعة ، ثم روضة أطفال ، لم يبق منها سوى المدخل الذي كتب عليه تحية من الأطفال حرقا داخل الروضة التي دمرتها طائرات روسية ، وفي اليوم الثاني عندما كان أقرباؤهم يوارونهم التراب قامت المروحيات الروسية بالتحليق فوقهم ، وكل ذلك يجري بجوار القرية ، وبجانبها حافلة مليئة باللاجئين ، تبدو لنا وجوه الأطفال وهم خائفون مرعوبون ، وفجأة بدأ القصف على الحافلة بالصورايخ الحارقة ، وكان المحرك وخزان الوقود هما الهدف الإنسان بالنسبة لهم ، ثم شعرنا بقوة الانفجار والارتجاج والحافلة تحترق ، ولم يستطع أحد من الركاب الخروج ، فاحترق كل من فيها من النساء والأطفال ، وفي إحدى القرى قرب غروزني عذب أحد السكان حتى الموت ، حين قام جنود فيلق روسي كامل بإطفاء سجائرهم على جسمه العاري وأجبروه على المشي على الثلج حافي القدمين ، وأمام عينيه قام الجنود الروس باغتصاب زوجته ، ودون رحمة قام هؤلاء بتعذيب ثلاثة أفراد من عائلة شيشانية ، وتحمل الثلاثة جميع أنواع وفنون التعذيب الروسي الإجرامي فأحدهم قتلوه رميا بالرصاص بعد تعذيبه ، والآخر قطعوا قدميه والثالث نزعوا كبده وهي حي ، وقطعوا يديه حتى المرفق ) انتهى التقرير نقلا عن مقال الدكتور سامي الدلال
ليس هذا التقرير سوى خبر عادي يجري مثله كل يوم في ارض الشيشان ، وقد حاولت القيادة الروسية أن تخفي جرائمها البشعة هناك بكل سبيل ، لكن الأخبار أحيانا تخرج عن السيطرة ، فالصحافيون العالميون لم يبقوا سرا هناك .
يارب ضاق الإمام واشتد الفزع وهالنا من البلايا ما وقع وجاشت الأنفس من فرط الجزع وخانها أقدام إليك المطلع
وهل لها دونك مولى ينتجع اذا وهى حبل الرجاء فانقطع
وان كان ثمة أمر اشد على الأمة الاسلامية من مصابها في الشيشان أو مثله في الشدة ، فهو المفارقات المضحكة المبكية في حياتنا ، فتأمل هذا التناقض العجيب بين ما يفعله الروس ـ وغيرهم من البلاد الشرقية والغربية ـ من مظاهرات مناهضة لحكوماتهم تبلغ إلى درجة المطالبة باستقالة زعماءهم واتهامهم بالفشل والخيانة ، وبين انزعاج مثقفينا العلمانيين ، ومفكرينا الذين يزعقون علينا بالليبرالية ليل نهار ، انزعاجهم من تعبير سلمي شعبي عابر هنا في الكويت عن مجرد الاستياء من مجرم حرب ، يسحق أمة من المسلمين ، ويسجل أبشع صورة في تاريخ الجرائم الإنسانية في مطلع هذا القرن .