فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يقول الله جل حلاله )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكر وأولئك هم المفلحون( [26] يقول سيد قطب رحمه الله تعالى"فلا بُدَّ من جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر، وهو تكليفٌ ليس بالهيِّن ولا اليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشَهَوات النَّاس ونَزَواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغُرُور بعضهم وكبريائهم، وفيهم الجبَّار الغاشم، وفيهم الحاكم المُتسلِّط، وفيهم المُنْحَلُّ الذي يكره الجِدَّ، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المُنحرف الذي يكره الاستقامة، وفيهم من يُنكرون المعروف ويعرفون المُنكر. ولا تُفلِح الأُمَّة، ولا تُفْلِح البشريَّة، إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفًا والمُنكر منكرًا" [27] .
وفي موضعٍ آخرَ من السُّورة نفسها يمدح الله جل حلاله أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم مُبيِّنًا مُسَوِّغات هذا المدح بقوله )كنتم خير أُمَّة أخرجت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر وتؤمنون بالله ( [28] . قال القُرطُبيُّ رحمه الله"مَدْحٌ لهذه الأُمَّة ما أقاموا ذلك واتَّصفوا به؛ فإذا تركوا التَّغيير وتواطئوا على المُنكر زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذَّمِّ، وكان ذلك سببًا لهلاكهم" [29] . وقال ابن عبَّاس ?"من سرَّه أن يكون من أهل هذه الآية فليؤدِّ شرط الله فيها" [30] . والنَّظرة العَجْلى في كتاب الله الكريم يتبيَّن المرء منها أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر وظيفة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا خليل الرَّحمن إبراهيم عليه السلام ينهى عن المُنكر بيده حيث أعملها في الأصنام تكسيرًا ) فراغ عليهم ضربًا باليمين ( [31] ) فجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون ( [32] ، وينهي عنه بلسانه حين يقول لقومه ـ مُنكِرًا ومُوَبِّخًا ـ ) أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ( [33] ) أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين ( [34] ، ويأمر أباه بالمعروف وينهاه عن المنكر ـ كما حكى ربُّنا سبحانه في سورة مريم ـ ) يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا * يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا [35] (
وهذا كليم الله موسى عليه السلام ينهي عن المُنكر بيده، حين رجع فوجد قومه يَعْكُفون على عجلٍ جَسَدٍ له خُوَار؛ فخاطب الدَّجَّال الذي أضلَّهم ـ وهو السَّامريُّ ـ بقوله )وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفًا ( [36] . ويقول لقومه ) يا قوم لم تؤذونني وقد تعملون أني رسول إليكم( [37]
وكذلك نَبيُّ الله عيسى uيأمر بالمعروف حين يقول للحواريِّين )اتقوا الله إن كنتم مؤمنين( [38]
أما نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت حياته كُلُّها أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المُنكر، منذ أن شرَّفه الله بالرِّسالة، وحتى لقي ربَّه الكريم الحليم، حتى إنَّ القرآن ليَنُصُّ على أنَّ وظيفة النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأساسيَّة ومُهِمَّتُه الأولى هي الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر، يقول الله سبحانه )الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المُنكر ( [39] . ويبين ربُّنا تبارك وتعالى أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر من أوصاف المؤمنين اللاَّزمة، فيقول سبحانه ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكر ( [40] ، في مقابل ذلك وصف من كانوا ضِدَّهم وعلى النَّقيض منهم ) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمُنكر وينهون عن المعروف( [41] .
ولو أنَّ المُسلمين عرفوا هذه الآيات حقَّ المعرفة، وعملوا بها على الوجه الأتمِّ الأكمل والسَّبيل الأرشد الأقوم لما استطاع أهل الشر والفساد من عُتاة البشر أن يفعلوا بالأُمَّة الأفاعيل، وينشروا بين بنيها الترهات والأباطيل، ولو أنَّ الدَّاعية الآمر بالمعروف والنَّاهي عن المُنكر وجد من ورائه أُمَّة من النَّاس يوالونه ويناصرونه لما استطاع شرير أن ينال مصلحًا بأذىً. لكنَّ حقيقة الأمر أنَّ النَّاس مُسلِمُوه وخاذِلوه، فينفرد أهل الشر والفساد بالمصلحين واحدًا بعد الآخر يسومونهم سوء العذاب وأشدَّ النَّكال؛ تارة بتنفير الناس منهم وتارة بإطلاق نعوت السوء عليهم كقولهم: هؤلاء رجعيون، ظلاميون، متخلفون، متطرفون، متشددون، متنطعون.. إلى آخر تلك الألقاب السيئة )أتواصوا به بل هم قوم طاغون(