دعا بعض الأمراء أبا هريرة ، و سأله أن يحدث - و قد خبأ الأمير كاتبا حيث لا يراه أبو هريرة - فجعل أبو هريرة يحدث و الكاتب يكتب ، ثم بعد سنة دعا الأمير أبا هريرة ، ودس رجلا ينظر في تلك الصحيفة ، و سأل أبا هريرة عن تلك الأحاديث ؟
فجعل يحدث و الرجل ينظر في الصحيفة ، فما زاد وما نقص و لا قدم و لا أخر .
و سأل بعض الخلفاء ابن شهاب الزهري أن يملي على بعض ولده ، فدعا بكاتب ،فأملى عليه أربع مائة حديث ، ثم إن الخليفة قال للزهري بعد مدة: إن ذلك الكتاب قد ضاع . فدعا الكاتب فأملاه عليه ، ثم قابلوا الكتاب الثاني على الكتاب الأول ، فما غادر حرفا .
وكانوا كثيرا ما يبالغون في الاحتياط ، حتى قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان ؟ قال: رأيته يركض على برذون . وقال جرير: رأيت سماك بن حرب يبول واقفا فلم أكتب عنه . وقيل للحكم بن عتيبة: لم لم ترو عن زاذان ؟ قال كان كثير الكلام.
... 20 - مخالطة الأمراء
مخالطة الأمراء
وكانوا يطعنون فيمن خالط الأمراء ، أو قبل عطاياهم ، أو عظمهم ، بل ربما بالغوا في ذلك ، كما وقع لمحمد بن بشر الزنبري المصري مع سعة علمه ، كان يملي الحديث على أهل بلده فاتفق أن خرج الملك غازيا ، فخرج الزنبري يشيعه ، فلما انصرف و جلس يوم الجمعة عي مجلسه ، قام إليه أصحاب الحديث فنزعوه من موضعه ، و سبوه و هموا به ، و مزقوا رواياتهم . ثم ذكره ابن يونس في ( تاريخ مصر ) فقال: ( لم يكن يشبه أهل العلم ) .
إنما كانوا يتسامحون فيمن بلغ من الجلالة بحيث يعلم أنه إنما يخالط الأمراء ليأمرهم بالمعروف ، و ينهاهم عن المنكر ، و يكفهم عن الباطل ما استطاع ، كالزهري و رجاء بن حيوة . و روى الشافعي ، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك ، فقال له: يا سليمان ، الذي تولى كبره من هو ؟ يعني في قول الله تعالى: { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور: 24 ] ، - قال: عبد الله بن أبي ، قال كذبت ، هو فلان قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول ، فدخل الزهري ، فقال: يا ابن شهاب ، من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أبي / قال: كذبت ، هو فلان . فقال الزهري لهشام: أنا أكذب لا أبا لك ؟ و الله لو نادى مناد من السماء: إن الله أحل الكذب ما كذبت ، حدثني عروة و سعيد و عبيد الله و علقمة ، عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي . و ذكر تمام القصة و فيها خضوع هشام للزهري و استرضاؤه له .
و قد وقعت للزهري قصة تشبه هذه مع الوليد بن عبد الملك ، و فيها: أن الوليد قال له: يا أبا بكر ! من تولى كبره أليس فلانا ؟ قال الزهري: قلت: لا ! فضرب الوليد بقضيبه على السرير: فمن ؟ فمن ؟ حتى ردد ذلك مرارا ، قال الزهري: لكن عبد الله بن أبي . و في جواب سليمان لهشام لطيفة ، حيث لم يقل: ( أمير المؤمنين أعلم ) و يسكت ، بل قال أعلم: بما يقول ، أي: أعلم بقول نفسه ، لا أعلم بحقيقة الحال ، و لكن المقام بم يكن لتغني فيه مثل هذه الإشارة ، فلذلك قيض الله تعالى الزهري و وفقه ، فقال ما قال . وقوله لهشام - وهو الملك- { لا أبا لك } جرأة عظيمة .
... 21 - ورع أهل الحديث
ورع أهل الحديث
و كانوا من الورع و عدم المحاباة على جانب عظيم ، حتى قال زيد بن أبي أنيسة: أخي يحيى يكذب .
و سئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس ، فقال: قد سمع من هشام بن عروة ، و لكنه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه.
وروى علي بن المديني عن أبيه ، ثم قال: ( وفي حديث الشيخ ما فيه ) .
وقال أبو داود: ابني عبد الله كذاب.
و كان الإمام أبو بكر الصبغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق.
... 22 - حفظ علماء السلف لتراجم الرجال
حفظ علماء السلف لتراجم الرجال
كان الرجل لا يسمى عالما حتى يكون عارفا بأحوال رجال الحديث .
ففي ( تدريب الراوي ) قال الرافعي و غيره: إذا أوصي للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث ولا علم لهم بطرقه ولا بأسماء الرواة ... و قال الزركشي: أما الفقهاء، فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ متن الحديث، و علم عدالة رواته و جرحها ... و قال التاج السبكي ... إنما المحدث من عرف الأسانيد و العلل و أسماء الرجال ... و ذكر عن المزي أنه سئل عمن يستحق اسم الحافظ، فقال: ( أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم و يعرف تراجمهم و أحوالهم و بلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب ) .