قوله: « حتى إذا أخذه لم يفلته » بضم أوله أي لم يخلصه , أي إذا أهلكه لم يرفع عنه الهلاك وهذا على تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه , وإن فسر بما هو أعم فيحمل كل على ما يليق به , والله أعلم
كيف يأخذ الله القرى وبما يهلكها:
قال تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } [ الإسراء: 16 ]
وقال تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } [ الأنعام: 123 ]
والمعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية. { مجرميها } والأكابر جمع الأكبر.وهم الرؤساء والعظماء. وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد. والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة, قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عقبة أربعة ينفرون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم; كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم.
وقال تعالى: { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } [ النحل: 112 ]
وهذا مثل أريد به أهل مكة فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقره يتخطف الناس من حولها ومن دخلها كان آمنا لا يخاف , { يأتيها رزقها رغدا } أي هنيئا سهلا { من كل مكان فكفرت بأنعم الله } أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم كما قال تعالى { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار } ، ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما فقال { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان وذلك أنهم استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم فأكلوا العلهز وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه
وقوله: { والخوف } وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه.
والله لايهلك القرى إلا بعد الإنذار:.
قال تعالى: { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } [ القصص: 59 ]
وقال تعالى: { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } [ الأنعام: 131 ]
أى: لم يرسل إليهم رسول يبين لهم؟
وما من قرية إلا سترى ذلك أو نحوا منه كله مقدر عند الله في كتاب:
قال تعالى: { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } [ الحجر: 4 ]
أى: أي أجل مؤقت كتب لهم في اللوح المحفوظ.
وقال تعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا } [ الإسراء: 58 ]
أى: هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتم وقضى بما قد كتب عنده في اللوح المحفوظ أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم { عذابا شديدا } إما بقتل أو إبتلاء بما يشاء وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم كما قال تعالى عن الأمم الماضين { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } وقال تعالى { فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا }
وأخذه لايعلم وقته وهو غير مأمون: قال تعالى:
{ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } [ الأعراف: 4 ]
أى: ليلا... أو نائمون بالظهيرة والقيلولة إستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم, أي مرة جاءها ليلا ومرة جاءها نهارا..
وقال تعالى: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون } [ الأعراف: 97 ]
أى: ليلا... وهم غافلون عنه...
وقال تعالى: { أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون } [ الأعراف: 98 ]
أى: أي وهم فيما لا يجدي عليهم; يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب,
وقال تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون } [ الأعراف: 94 ]
ومن العجيب أن مثل ذلك لم يحدث إلا قليلا جدا مثل ما حدث في قوم يونس كما في قوله تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين }