وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا ؛ فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم؛ فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك ؛ فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك الحالة. وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده؛ وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم. وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب؛ وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان .
قال القرطبى: قول الزجاج حسن ؛ فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون ، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك ، وقوم يونس تابوا قبل ذلك .
ويعضد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: « إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » . والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا . والله أعلم.
والنجاة من ذلك أن يكون أهل القرى مصلحين:
قال تعالى: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } [ هود: 117 ]
أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق؛ أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد, كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان ، وقوم لوط باللواط; ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الإستئصال في الدنيا من الشرك ، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. وفي صحيح الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده » . [صحيح الجامع برقم:1973] .
وقيل: المعنى وما كان الله ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون؛ أي مخلصون في الإيمان. فالظلم هنا المعاصي على هذا المعنى.
ولذلك أمرنا أمرا جامعا لعل فيه النجاة:
فقال تعالى: { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } [ النساء: 75 ]
أى: يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها ولهذا قال تعالى { الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} يعني مكة كقوله تعالى { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك } ثم وصفها بقوله { الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا أي سخر لنا من عندك وليا ناصرا }
خلاصة:
مما سبق بيانه نفهم عدة حقائق:
1-أن القرى - الدول - منها ما يبقى ومنها ما يحصد.
2-أن البقاء والحصاد أمر ربانى لايحكمه ويقدره الا الله وحده لأن الملك ملكه والكون له وحده.
3-أن أعظم أسباب إهلاك القرى الظلم والطغيان حتى لو كان فيها إيمان.
4-أن أعظم أسباب البقاء والنجاة هو الإيمان والتقوى لتكون القرى طائعة عادلة.
5-أن هلاك القرى يبدأ بتسليط مترفيها ومجرميها عليها.
6-أن الهلاك لايتحقق إلا بعد الإنذار من الله لعل القرى ترجع.
7-ما من قرية إلا وسيأتيها هذا الإنذار والبلاء والعذاب...سنة الله سبحانه في القرى...وحكمته إرجاع القرى قبل هلاكها...لعلهم يتضرعون.
8-ذلك الأخذ والإنذار لايعلم وقته لكل قرية إلا الله وحده , ويأتى فجأة بلا مقدمات...وهو أمر مسطور.
9-من أعظم أسباب نجاة أهل القرى أن يكونوا مصلحين...ولذلك علينا بالصلاح والإصلاح والتمسك بأسباب النجاة والنصر.
أسباب النجاة والنصر:
لابد هنا من معرفة أن النصر نوعان:
-الأول: نصر العبد في نفسه منفردا بالثبات على الحق حتى الممات:
فمن مات على الحق فقد نصره الله نصرأ فرديا مؤزرا.وهذا النوع من النصر جاء فيه مثل قول الله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } [ التوبة: 40 ]
وهو بين في أيات كثيرة من كتاب ربنا العلى حيث قال:
قال تعالى: { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } [ الحج: 40 ]