فهرس الكتاب

الصفحة 24430 من 27345

فالمسئوليات مرتبة على التكريمات، فليس من خص بشيء، كمن لم يخص، وليس من قرّب، كمن لم يقرّب، وليس من اصطفاه الله تعالى وفضله، كمن لم يصطفه، ولم يفضله. وما ذكر من وظائف وأعمال مترتبة على الخصائص، لم يكن إلا إشارات يسيرة، والمسألة تحتاج إلى بسط، وهذا ما سيكون.

فاعرف نفسك جيدا، واربأ بها أن ترعى مع الهمل..!!. لكن ما دورك؟.

(ما دورك) ؟.

بعد أن عرفت: من أنت؟، جاء الدور لتعرف: (ما دورك) ؟.

فالمعرفة إذا لم يتبعها تطبيق وعمل، فإنما هي حجة ووزر على العارف، والمشركون واليهود والنصارى لم يكن ذنبهم أنهم ما عرفوا الحق، كلا، بل لأنهم لم يعملوا بما علموه منه:

"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون".

وليس هذا مقام تقرير هذه المسلَّمة، فيكفي فيه أن نذكّر: بأن إهمال العمل وسيلة لنسيان العلم نفسه. فإنه ما أهمل إنسان العمل: بإنسانيته، وآدميته، وإسلامه. إلا وعلمه بهذه الأصول إلى أفول.

ما دورك أيها الإنسان، يا ابن آدم، يا مسلم، يا متبع: في هذه الحياة؟.

فيما تقدم تبين أن للإنسان خصائص هي: الظهور، والعقل، والتوسط، والآدمية، والإسلامية.

وبحكم العادة: فإن الأدوار، والوظائف، والأعمال دائما ما ترتبط بالخصائص والأوصاف، فكل خصيصة فلها دور ووظيفة، وبما أن كلامنا عن الإنسان المسلم، فلا بد إذن من أن نضمّن تلك الخصائص معاني الإسلام، لتؤدي دورا أرقى وأسمى، من مجرد كونها خصائص إنسانية، دورا يتنسم روح الإيمان، ويصطبغ بصبغة الله تعالى:"ومن أحسن من الله صبغة"، وهكذا نريد أن نعرض لكل خاصية:

الخاصية الأولى: الظهور وعلاقته بدور الإنسان في الحياة.

جاء النور وصفا للوحي المنزل، فقال تعالى:

-"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا".

والنور صفة ظاهرة، عكس الظلام الذي هو صفة خفية، فأحكام الوحي كلها برهان، وبذلك فإنه يفترض في معتنق هذا النور: أن يظهر عليه أثره: نورا، وبرهانا. في كل شيء، فالنور لا يجوز إخفاؤه.

وظهور النور عليه يعني: ظهوره به وإعلانه، وجرأته في نشره وبثه. بل لا يملك حجب ما عليه من نور ولايقدر، فيعرفه كل من حوله به، يعرف: بأخلاقه، ومبادئه، وعقيدته، وأفكاره، وأقواله، وأفعاله. كصفحة بيضاء. يراه الجميع، لا يستخفي استخفاء المنافق، ولا يتوارى تواري الجن. وهذا في الأصل، والاستثناء له أحكامه، فالمكره، والمضطر الخائف من ضرر بالغ على نفسه، أو دينه أن يفتن له حكمه الخاص.

لكن هاهنا مسألة: قد يصيب بعض أهل الحق نوع من الاستخفاء، والتردد وعدم الوضوح، ليس سببه الإكراه، بل علة أخرى في حقهم هي: عدم وضوح الحق لهم في بعض المسائل، وعدم الاهتداء إلى تحريرها.

ومرد هذه العلة: نسيان المنهج الصحيح لمعرفة الصواب في مسائل الاختلاف. فإن النصوص حمالة أوجه، وقد تسبب ذلك في اختلاف الناس، ووجد الزائغ فرصة للتلبيس، فانتشرت الأقوال المختلفة في المسألة الواحدة، فاحتار كثير من الناس لايدرون: أين الحق؟، وأين النور؟!!.

ولما كان الله تعالى قد تكفل حفظ دينه، فلم يكن من العسير الخروج من هذه المشكلة اليسيرة، وذلك إنما يكون باتباع المنهج الصحيح لحل مسائل الخلاف، وهو: اتباع فهم الصحابة رضوان الله عليهم للنصوص.

فإنهم مقدمون في الدين: كون الله تعالى رضي عنهم.. وكونهم شهدوا التنزيل.. ولأن الله تعالى بين في كتابه أنه ألزمهم كلمة التقوى، وأنهم أحق بها وأهلها، وأن من آمن بمثل ما آمنوا به فقد اهتدى، ومن تولى فهو في شقاق. إذن، لا إشكال، فكل مسألة اختلف العلماء فيها: فالصحابة رضوان الله عليهم حكم وفيصل.

وإذا تساءل أحد: ماذا نصنع إزاء ما اختلف فيه الصحابة أنفسهم؟.

فيقال: المسائل عن الصحابة أربعة:

أولا: ما أجمعوا عليه، فالنور فيه، والظلمة في مخالفته، كما أجمعوا على كفر تارك الصلاة، وغير ذلك.

ثانيا: ما كان عليه كبارهم، كالأئمة الأربعة، أو جمهورهم، فالنور فيه.

ثالثا: ما ذهب اليه بعضهم، واشتهر قولهم فيه، ولم يخالفهم أحد، فالنور فيه.

رابعا: ما اختلفوا فيه، وتساوت أقوالهم، فالنور فيها كلها، فهنا الخلاف سائغ.

فهذا هو النور، وهو المحجة البيضاء، التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فإذا علم هذا، فقد تبين الطريق لاعتناق هذا النور، ووسيلة الاستمساك به، وكلما كان التمسك به قويا، كان ظهوره أشد وأبين، فلا يملك حامله إلا الظهور به، دون خوف أو وجل، بل بعزة وعلو بالحق، دون ظلم، ولا عدوان، يلقي بهذا النور على الناس، فيأتيهم بالطيب، والحسن، والبر، فيكون كالطبيب، يصارح المريض بمرضه، ويعالجه بصدق، ويسعى فيه بأمانة، وإخلاص، ومحبة، وشفقة.

الخاصية الثانية: العقل وعلاقته بدور الإنسان في الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت