وإنما يعمل أهل الباطل وينشطون عند اختفاء العلم وظهور الجهل ، وخلو الميدان ممن يقول: قال الله وقال الرسول ، فعند ذلك يستأسدون ضد غيرهم وينشطون في باطلهم ، لعدم وجود من يخشونهم من أهل الحق والإيمان وأهل البصيرة ، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه كل شيء إجمالا في مواضع ، وتفصيلا في مواضع أخرى قال عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [2] وهذا كلام الحكيم العليم الذي لا أصدق منه . {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قيلًا} [3] وأوضح سبحانه في قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [4] أنه مع كونه تبيانا لكل شيء فيه هدى ورحمة وبشرى . فهو بيان للحق وإيضاح لسبله ومناهجه ودعوة إليه بأوضح عبارة وأبين إشارة ، ومع ذلك فهو هدى للعالمين في كل ما يحتاجون إليه في ذكر ربهم والتوجه إلى ما يرضيه ، والبعد عن مساخطه ، ويبين لهم طريق النجاح وسبيل السعادة مع كونه رحمة في بيانه وإرشاده ، وهدى وإحسانا وبشرى ، وتطمينا للقلوب بما يوضح من الحقائق ويرشد إليه من البصائر التي تخضع لها القلوب وتطمئن إليها النفوس ، وتنشرح لها الصدور ، بوضوحها وظهورها يقول سبحانه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [5] ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا} [6] ويقول سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [7] ولولا أن كتابه عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فيهما الهداية والكفاية لما رد الناس إليهما ، ولكان رده إليهما غير مفيد ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وإنما رد الناس إليهما عند التنازع والخلاف لما فيهما من الهداية ، والبيان الواضح ، وحل المشكلات والقضاء على الباطل ، ثم ذكر أن هذا شرط للإيمان فقال سبحانه: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ثم ذكر أنه خير للعباد في العاجل والآجل وأحسن عاقبة ، يعني أن ردهم ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول خير لهم في الدنيا والآخرة وأحسن لهم في العاقبة . ومن هذا يعلم أن في كتاب الله العزيز وسنة رسوله الأمين حلا لجميع المشكلات وبيانا لكل ما يحتاجه الناس في دينهم ، وفي القضاء على خصوماتهم ، كما أن في ذلك النصر للداعي إلى الحق والقضاء على خصمه بالحجة الواضحة ولهذا يقول سبحانه: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [8] والمثل يعم كل ما يقدمون من شبهة يزعمونها حجة ، ومن مذهب يدعونه صحيحا ، ومن دعوة يزعمون أنها مفيدة ، كل ذلك يكشفه هذا الكتاب وما جاءت به سنة رسوله عليه الصلاة والسلام .
فجميع ما يقدمونه من مشكلات وشبهات ودعوات مضللة ومذاهب هدامة كل ذلك يكشفه العلم بهذا الكتاب وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومعلوم أن الأفكار الهدامة والمبادئ الضالة والمذاهب المنحرفة كثيرة ، والملبسون للحق بالباطل لا يحصون ، وكذلك دعاة الباطل والمؤلفون في الصد عن سبيل الله لا يحصيهم إلا الله ، وهم يلبسون على الناس باطلهم بما يحرفون من الكلم ، ولقد كثر الخطباء والمتكلمون في الإذاعات وفي التلفاز وفي كل مجال: في الصحافة والمجتمعات وفي كل نافذة ، كل يدعو إلى نحلته ، وينادي إلى فكرته ، ويمني غيره ويدعوة إلى الباطل ، ولا مخرج من هذه المحن ، ولا طريق للتخلص منها والقضاء عليها إلا بعرضها على هذا الميزان العظيم الكتاب والسنة ، ففي عرضها على هذا الميزان العظيم تمحيصها وبيان حقها من باطلها ، ورشدها من غيها ، وهداها من ضلالها ، وبذلك ينتصر الحق وأهله ، ويندحر الباطل وأهله ، فإذا تقدم دعاة الشيوعية والاشتراكية المنكرون لوجود الله والقائلون: ( لا إله والحياة مادة ) المكذبون بالحق والمنكرون لكتاب الله وما ورد فيه من الأدلة النقلية والعقلية على وجود الباري وقدرته العظيمة وعلمه الشامل فارجعوا إلى كتاب الله واقرؤا من آياته ما يرشد إلى دلائل وجوده سبحانه ، وأنه الصانع الحكيم لهذه الأشياء والموجد لها والخالق لها سبحانه .