فهرس الكتاب

الصفحة 24499 من 27345

لا شك أن التربية لها دور مهم وأن المناصحة والعناية والاهتمام له دور في صلاح الابن ولكن يبقى بعد ذلك توفيق الله سبحانه وتعالى، فإذا كنت تحمل هم أبناء الناس، وتسعى إلى إصلاحهم، ويؤرقك هذا الأمر، وتجتهد غاية الاجتهاد في استنقاذ هؤلاء من الضلال والانحراف، فلعل مما يكافئك الله سبحانه وتعالى به: أن يجزيك من جنس عملك فيصلح لك ذريتك وأولادك، وهي من أعلى النعم التي يجدها العبد في الحياة الدنيا، ولا تقدر بثمن أبدًا فالصالحون دعاؤهم لله تبارك وتعالى [ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما] .

وهذا الأمر يمثل امتدادا لعملك الصالح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"إننا حينما نجتهد في استنقاذ هؤلاء من الفساد بدعوتهم إلى الله، ونبذل في ذلك نفيس أوقاتنا لنتفاءل أن الله سبحانه وتعالى سيقيض بعد ذلك لأبنائنا -ولو بعد وفاتنا- من يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وقد يموت أحدنا وابنه لا يزال صغيرًا؛ فحينئذ من له بعد الله سبحانه وتعالى ؟ إن دعوتنا إلى الله تعالى لمما نرجو به صلاح ذريتنا واستقامتهم على الهدى.

ولذلك قال الله عز وجل في قصة موسى والخضر [فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه قال:لو شئت لاتخذت عليه أجرًا ] ، ثم لما أخبره الخضر عن تأويل ما لم يستطع عليه صبرًا أعلمه بشأن الجدار [وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك…] فقد حفظ الله هذين الغلامين بصلاح أبيهما، ولا شك أن الذي حفظهما في مالهما سبحانه وتعالى يعلم أنهما أحوج إلى أن يحفظا في دينهما.

أقول: لعلك حينما تجتهد في هذا الأمر أن تجزى هذا الجزاء، فيحفظ الله لك ذريتك ويقيض لأولادك من ينظر إليهم بتلك النظرة التي تنظر بها إلى الناس؛ فالجزاء من جنس العمل.

الثمرة الخامسة:أن هذا من شكر النعمة:

فقد منّ الله عليك بالهداية والتوفيق إلى سلوك طريق الخير، ولاشك أن الفضل أولًا وآخرًا له سبحانه وتعالى، وسوف تسأل عنها يوم القيامة فهي مثل سائر النعم الأخرى من حقها عليك أن تشكرها، وأعظم شكر لهذه النعمة أن تنقل هذه النعمة إلى غيرك الذي قد حرمها. وأن تجتهد في دعوة هؤلاء إلى سلوك هذا الطريق الذي منّ الله عليك بسلوكه، ولو شاء ربك لكنت مثل هؤلاء، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، وقلب ابن آدم أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا، كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم .

فهذا العمل فيه شكر للنعمة وأحرى به أن يكون سببًا لتوفيق الله سبحانه وتعالى لك في الثبات على هذا الطريق طريق الهداية. وذلك لما ذكر في الثمرة السابقة.

يقول ابن القيم في نونيته:

واجعل لقلبك مقلتين كلاهما *** بالحق في ذا الخلق ناظرتان

فانظر بعين الحكم وارحمهم بها ***إذ لا ترد مشيئة الديان

وانظر بعين الأمر واحملهم على ***احكامه فهمًا إذا نطران

واجعل لوجهك مقلتين كلاهما *** من خشية الرحمن باكيتان

لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم ***فالقلب بين أصابع الرحمن

الثمرة السادسة: وماذا لو كان داعية؟

ماذا لو هدى الله على يديك شابًا معرضًا غافلًا، كان همه الأمور الساقطة، ثم بعد أن منّ الله عليه بالهداية أصبح شخصًا آخر: خطيبًا مفوهًا يقول كلمة الحق ويستمع الناس إليه، أو واعظًا يبكي القلوب، أو داعية ينفع الله به الأمة؟ بل و لا تستبعد يا أخي أن يكون مجددًا، أليس النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: أن الله عز وجل يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها؟.

يقول ابن القيم رحمه الله مثنيًا على شيخه ابن تيمية رحمه الله بعد أن تحدث عن ضلال من ذكرهم من الضالين وما في كتبهم:

ياقوم والله العظيم نصيحة *** من مشفق وأخ لكم معوان

جربت هذا كله ووقعت في *** تلك الشباك وكنت ذا طيران

حتى أتاح لي الإله بفضله *** من ليس تجزيه يدي ولساني

حبرأتى من أرض حران فيا *** أهلًا بمن قد جاء من حران

أخذت يداه يدي وسار فلم يرم *** حتى أراني مطلع الإيمان

ورأيت أعلام المدينة حولها *** نزل الهدى وعساكر القرآن

ووردت كأس الماء أبيض صافيا *** حصباؤه كلآلئ التيجان

ورأيت حوض الكوثر الصافي الذ*** ما زال يشخب فيه ميزابان

ميزاب سنته وقول إلهه *** وهما مدى الأيام لا ينيان

ثم قال:

فالله يجزيه الذي هو أهله *** من جنة المأوى مع الرضوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت