فهرس الكتاب

الصفحة 24530 من 27345

وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار ثلاثة أيام تجلت خلالها قوة ثقة النبي صلى الله عليه وسلم في ربه وحسن توكله عليه حين كان يهدأ من قلق أبي بكر خوفًا على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما: ويقول ما حكاه القرآن ( لا تحزن ؛ إن الله معنا ) . وحين هدأ الطلب، وجاءهما الدليل ، انطلقوا إلى المدينة عن طريق الساحل.

معجزات النبي في رحلة الهجرة:

أعلنت قريش عن جائزة كبيرة؛ مائة من الإبل، لمن يأتي بمحمد حيًا أو ميتًا ، وتسابق الناس في البحث أملًا في الحصول على تلك الجائزة ، وكان من هؤلاء سراقة بن مالك الذي أدرك الركب الكريم ، فلما دنا منهم ساخت قوائم فرسه في الرمال ، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد منعه الله من أعدائه ، فطلب الأمان وعاهد النبي على كتمان خبره ، ووفّى بذلك فلم يخبر قريشًا بالأمر ، ثم إنه أسلم بعد حنين والطائف

معجزات وبركات:-

وكان من بركة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الرحلة أن مروا بخيمة أم معبد ، ولم تكن شاتها ذات در ، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم على ضرعها ودعا الله فدرت كأحسن ما تكون الشاة الحلوب فشربوا حتى ارتووا ، ثم انطلقوا في طريقهم.

وحين دنت قافلة الهدى من المدينة خرج أهل المدينة ؛ رجالهم ونساؤهم وأطفالهم يتلقونه مرحبين فرحين بقدوم المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ولما بلغ الركب الطيب قباء أقام بها ليال أسس فيها مسجد قباء ،ثم دخل المدينة وسار في دروبها حتى بركت ناقته أمام دار أبي أيوب الأنصاري ، فأمر ببناء المسجد في الموضع الذي بركت فيه الناقة ، واستضاف أبو أيوب الأنصاري رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في داره شهرًا ريثما تم بناء المسجد النبوي وبعض الحجرات بجواره .

ثانيًا: الدروس والعبر المستفادة من الهجرة:

1-الحزم البالغ ، والحس الأمني العالي لدى النبي صلى اله عليه وسلم حيث تحرك في الوقت المناسب، دونما تأخير ، وذلك حين علم بعزم قريش على تبييته ، واختياره صلى الله عليه وسلم الوقت المناسب للذهاب إلى بيت أبي بكر ، وهو وقت القيلولة ،وسؤاله حين دخل إلى البيت: من عندك؟

2-الأخذ بما أمكن من الأسباب ، كإشغال المتربصين بنائم في الفراش حتى يتسنى للنبي التحرك في أمن إعداد أبي بكر للراحلتين مسبقًا - الخروج من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته - الاتفاق مع المرشد مع التأكد من كونه مأمونًا - تكليف عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء وعبد الله بن فهيرة الراعي بمهامهم - اختيار غار ثور للاختباء فيه ثلاثًا لكونه في غير جهة الانطلاق إلى المدينة ، ولكون الطريق إلى مكة مرصودًا بالفرسان المتربصين.

3-السرية التي أحاطت الخطة حتى النجاح دليل على أهميتها في كل عمل يكتنفه الصراع مع الكفار أو المنافقين .

4-بيان فضل أبي بكر باختيار النبي صلى الله عليه وسلم له دون غيره ، فكان هذا الاختيار من أعظم التوفيق للنبي الكريم ، كما كان فيه الإشارة إلى تأييد الله عز وجل لنبيه وحسن رعايته سبحانه لتلك الخطوات المباركة في رحلة الهجرة ، وهي منقبة عظيمة لأبي بكر سجلها القرآن الكريم منوهًا بما كان عليه رضي الله عنه من الحب للنبي والخوف عليه وتفديته بنفسه ، ولقد علمت أمة الإسلام أنه أفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.

5-فدائية علي رضي الله عنه بمبيته في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم بالأمر تدل على أن التربية الإيمانية هي وحدها الجديرة بتقديم مثل هذه النماذج الرفيعة في الجندية والشهامة والرجولة.

6-في تكليف النبي صلى الله عليه وسلم عليًا برد الأمانات التي عنده للمشركين دليل على أن القيم الأخلاقية لا تهتز في منظور الإسلام تحت أي ظرف من الظروف مهما كانت شدته وقسوته.

7-في ائتمان المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم على أماناتهم رغم جحود هم لدعوته مما يؤكد أن الداعية والمصلح بإمكانه أن يؤسس أرضية طيبة من الثقة والاحترام لدى المدعو تهيئه فيما بعد لتقبل الدعوة ، وهو ما كان من قريش حيث دخلوا جميعًا في الإسلام.

8-في استئجار ابن أريقط المشرك للدلالة على الطريق جواز الاستفادة من خبرات المشركين إذا أمن غدرهم ، مع النظر الدقيق في قاعدة المصالح والمفاسد .

9-كان بيت أبي بكر نموذجًا فذًا لبيوت الدعوة ، فأبو بكر يعرف مهامه فيقوم بها على أكمل وجه ، فيقدم رغبته الشديدة على الصحبة ، ويبذل ماله (بشراء الراحلتين ) ، ويجند ابنه وابنته وراعيه لإنجاح أدوار الرحلة ثم يبذل نفسه بالقيام بتلك الصحبة .

10-إذا تمكن الإيمان من النفس وخالطت بشاشته القلوب أرخص المؤمن كل شيء في سبيل عقيدته ، فهذا أبو بكر لم يقل: أجنب أبنائي الأخطار ، لا سيما البنات ، بل تجلى صدق إيمانه في كل خطوة من خطوات الرحلة ، فكانت نصرة الدين أعلى وأغلى عنده من النفس والولد والمال ، وبمثل هذا الصدق تنجح الدعوات وتنتصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت