ما أحوجنا لهذه المعاني في الواقع الذي نعيشه.. فالأمة لا تحتاج إلى من يزيد من جروحها وبلائها، بل تحتاج أن نفتح لها الأفق الأوسع ونريها المستقبل المشرق لتسعى إليه، كما فعل يعقوب مع يوسف _عليه السلام_ وكما كان يفعل محمد _صلى الله عليه وسلم_ مع صحابته، في الخندق وفي الشدة التي صورها الله _عز وجل_ بقوله:"إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا"، إذا بمحمد _صلى الله عليه وسلم_ يضرب الكدية ويبشر صحابته _رضوان الله عليهم_، لا يبشرهم بالخروج من الأزمة الراهنة فحسب بل يبشرهم ببشائر عظمى دونهم ودونها مفاوز بعيدة! ولكنها حق نبأه بها اللطيف الخبير .
وهكذا ينبغي أن يكون الداعية مبشرًا، على أن يبشر الأمة بالحق الذي ظهرت أدلته الشرعية أو الكونية، وإياه أن يبشرها بغير دليل ولا برهان فإن هذا يضرها ويؤثر في مسيرتها.
ووقفة تربوية أخرى يشير إليها يعقوب _عليه السلام_ في هذه الآية، وهي أن كثيرًا من الناس يتصور أن الأبناء لا يفقهون، ولا يفهمون، ويتعامل معهم بناء على هذا الاعتقاد، وهذا خطأ تربوي مركب.
فالطفل يتذكر ويفقه ويتأثر، بل أحيانًا أكثر مما يحصل للكبار! وارجع بذاكرتك إلى الوراء سنين عددًا عندما كنت صغيرًا، ثم عد بها إلى أحداث مرت بك قبل سنتين أو ثلاث، فستجد أن ما فعلته أو ما وجدته وأنت صغير راسخ في ذهنك، تستطيع أن تصفه بدقة، بينما بعض ما وقع قبل سنة أو سنتين بل ربما قبل أيام قد نسيته، وربما أثر على أحدهم حدث مر به في صغره لرقة نفسه وصفائها أيام الصبا، وبالمقابل لم يؤثر عليه مثله عندما كبر وتبلدت المشاعر لديه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالصغار يفهمون ويدركون ويعقلون، ولكنهم قد لا يحسنون التعبير إما لخوف أو لأسباب أخرى.
مما لفت نظري كلام أحد علماء التربية الغربيين يوجه فيه المربين إلى الاهتمام بملاحظة البيت وما فيه قائلًا:"راقب بيتك بعيني طفل"!
وأذكر قصة عجيبة تتعلق بهذا الصدد، فقبل سنوات عقد مؤتمر في بلاد الشام لمعدي برامج الأطفال في التلفزيون، وقدمت في المؤتمر بحوث عدة، فجاءت أغلب البحوث شارحة طرقًا وأساليب لمن يكتبون برامج الأطفال تبين كيف يستطيع أحدهم أن ينزل بعقله إلى مستوى يخاطب فيه الأطفال، إلا بحثًا واحدا كان لرجل بولندي، فقد كان بحثه ينصب على قضية واحدة وهي كيف ترفع من طاقة عقلك لأقصى درجة إذا خاطبت الأطفال حتى تستطيع أن ترضي دقة ملاحظتهم، ويكون خطابك مؤثرًا فيهم، فكان هذا البحث هو البحث الأول في المؤتمر، ونال البولندي جائزة على بحثه القيم.
ومما لفت نظري كلام أحد علماء التربية الغربيين يوجه فيه المربين إلى الاهتمام بملاحظة البيت وما فيه قائلًا:"راقب بيتك بعيني طفل"!
وقد سجلت لنا كتب الأدب قصة طرفة بن العبد يوم كان طفلًا يلعب مع الصبيان والمتلمس ينشد عند علية القوم، فلما بلغ قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكرم
ففطن لها طرفة دون وجوه الناس، فقال وهو يلعب: استنوق الجمل! فالصيعرية سمة توسم بها النوق باليمن لا الجمال.
والشاهد أننا نخطئ في تقيمنا للأطفال، فلا نعاملهم معاملة تتناسب مع عقولهم، بل يشعرهم البعض بأنهم لا وزن لهم، فتكون النتيجة تخريج نوعين من الشباب؛ شباب يعاني من هزيمة نفسية، يستصغر نفسه ويقلل من شأنه ويقيد نفسه بحبال وهمية نسجها المجتمع من حوله، وشباب آخر متهور يحاول أن يتفلت من كل قيد ليثبت أنه رجل ولو بكل سبيل منحرف! كما أن من الآثار السيئة المترتبة على سوء تقيمنا لقدرات الأطفال قيام البعض بتصرفات خاطئة في حضرتهم لا ينبغي أن تفعل عندهم بحجة أنهم لا يفهمون، وكم من رجال الآن يذكرون قضايا مرت بهم في طفولتهم يستحون من ذكرها فما أحوجنا إلى أن نتنبه لهذا.
وبالمقابل من يقدر عقول أطفاله ويحترم قدراتهم ويخاطبهم خطاب الكبار فما أسرعهم إلى فهم كلامه والتزام توجيهه والتهيؤ لحمل المسؤولية في عمر الشباب، ومثل من حظوا بهذا المنهج في التربية قل أن تظهر فيهم أعراض الطفولة المتأخرة التي نشهدها في كثير من رجال عصرنا، وقد شكا من عوارضها مَن سبقنا، ولعل القائل أرادهم في قوله:
ودهر ناسه ناس صغار وإن كانت لهم جثث ضخام
وربما صور أصحاب هذه الحالة الأولى في قوله:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم أجسام البغال وأحلام العصافير