لقد بين الله _جل وعلا_ في القرآن -كما في سورة النور- أدب التعامل مع الأطفال، ومتى يحق لهم أن يدخلوا على آبائهم وأهلهم ومتى لا يدخلوا، وليس ذلك عبثًا بل تقديرًا لعقولهم وفهومهم وملاحظاتهم، فما أحوجنا إلى هذا المنهج في تعاملنا مع أبنائنا، وقصة يوسف مع أبيه يعقوب تبين كيف تعامل مع يوسف كرجل يفهم يدرك يعقل، وفي السنة مواقف عدة تبين كيف كان محمد _صلى الله عليه وسلم_ يحترم عقول الأطفال ويتعامل معهم المعاملة التي تؤهلهم لأن يكونوا رجالًا يتحملون الأعباء، ومن ذلك قصته مع الحسن _رضي الله عنه_ في تمر الصدقة .
فلننتبه لهذا الأسلوب التربوي في تعاملنا مع أبنائنا، ولنتذكر بأن طفل اليوم هو رجل الغد، وقد يكون هو القائد، هو الزعيم، هو الإمام، هو العالم، هو المجدد، بعيد أن كان الغلام، فلنتعامل معهم التعامل الذي يؤهلهم لذلك.
ومن الوقفات التربوية المهمة في هذه الآية أيضًا: في أسلوب يعقوب _عليه السلام_ وهو يخاطب ابنه"وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك حكيم عليم"الإشارة إلى أهمية ربط الابن بآبائه الصالحين، فإن من أقوى مؤثرات التربية قوة الارتباط بالأسرة، فإذا كانت الأسرة على سمت وخلق وعمل، ورث الصغار من الكبار ما لديهم من أخلاق فاضلة، ومكارم محمودة، فالوراثة أيها الأحبة ليست خاصة بالمال، بل الصفات والأخلاق والآداب والعلوم تورث، ومن ذلك الحديث"وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا بل ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"، ولذلك نبه هنا يعقوب _عليه السلام_ ابنه إلى تركة آبائه، فربطه بآبائه الصالحين _عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام_ وهذا الأسلوب أشار إلى عظم أثره في أبناء يعقوب قول الله _تعالى_ في سورة البقرة عندما ذكر وصية يعقوب:"أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون"، فبان أن منهج يعقوب في ربطهم بما كان عليه أسلافهم الصالحون آتى ثماره بدليل قول بنيه عند وفاته:"نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون"، إن الأبناء يقتدون بالآباء في الأخلاق الحسنة، فيما هم عليه من أعمال طيبة، يتوارثونها جيلًا بعد جيل.
وإلى هذا الأسلوب التربوي أشار يعقوب _عليه السلام_ عندما ربط يوسف بآبائه الصالحين الأخيار.
وأخيرًا نجد في الآية إعادة الفضل لأهله"وكذلك يجتبيك ربك"، فالله هو الذي اجتباه، وهو الذي اصطفاه، وتلك نعمة من أعظم النعم تدفع حلاوتها كل سوء جاء به ابتلاء، وقد رُوي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال عندما أصابه الهم المقيم المقعد: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي.. وهكذا أولياء الله ومن قبلهم رسله لسان حالهم مع ربهم قول القائل:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
نسأل الله أن يرزقنا العلم بكتابه والتدبر لآياته، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.