فهرس الكتاب

الصفحة 24553 من 27345

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: وهذا من أعظم الشرك؛ لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرَّسُول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، ومقتضاهُ أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.

وقال - أي: البوصيري -"ومن علومك علم اللوح والقلم"يعني: وليس ذلك كل علومك؛ فما بقي لله علمٌ ولا تدبيرٌ ـ والعياذ بالله ـ. أ. هـ راجع:"القول المفيد على كتاب التوحيد" (1/218) .

قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد:

قوله تعالى ولا شفيعٌ أي: واسطة، يتوسط له عند الله، ما أحد يشفع له يوم القيامة إلا بإذن الله - سبحانه وتعالى - ، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه ، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء, ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب"البردة":

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... *** ... سواك عند حلول الحادث العمم

إنْ لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... *** ... فَضْلًا وإلا فَقُلْ يا زلةَ القدم

هذا على اعتقاد المشركين أن الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - يأخذ بيده ويخلصه من النار، وهذا ليس بصحيح، لا يخلصه من النار إلا الله - سبحانه وتعالى - إذا كان من أهل الإيمان.

راجع: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/241) .

عن أنس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: أن أناسًا قالوا: يا رسول الله ، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: (يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولايستهوينكم الشيطان، أنا محمد رسول ؛ عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عَزَّ وجَلَّ) . أخرجه أحمدُ في المسندِ (3/241) وصححه الألبانيُّ في غاية المرام ص (127) .

فهذا الحديث يُستفاد منه فوائد عظيمة:

الفائدة الأولى: فيه التحذير من الغلوّ في حَقِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن طريق المديح، وأنّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنّما يوصف بصفاتِه التي أعطاهُ الله إيَّاها: العبوديّة والرِّسالة، أمّا أن يُغالى في حقَّه فيوصف بأنّه يفرِّج الكُروب, ويغفر الذنوب، وأنه يستغاث به - عليه الصلاة والسلام - بعد وفاته، كما وقع فيه كثيرٌ من المخرِّفين اليوم فيما يسمّونه بالمدائح النبوية في أشعارهم:"البُردة"للبوصيري، وما قيل على نسجها من المخرفين، فهذا غلو أوقع في الشرك كما قال البوصيري:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... *** ... سواك عند حلول الحادث العمم

إنْ لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... *** ... فَضْلًا وإلا فَقُلْ يا زلةَ القدم

فهذا غلوٌّ - والعياذ بالله - أفضى إلى الكفر والشِّرْك، حَتَّى لم يترُك لله شيئًا، كلّ شيء جعله للرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: الدُّنيا والآخرة للرسول، علم اللوح والقلم للرسول، لا ينقذ من العذاب يوم القيامة إلا الرَّسُول، إذًا ما بقي لله - عَزَّ وجَلَّ - ؟

وهذا من قصيدةٍ يتناقلونها (2) ويحفظونها ويُنشدونها في الموالد.

وكذلك غيرُها من الأشعار، كلّ هذا سببه الغلوّ في الرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - .

وأمّا مدحُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول، وأنه أفضل الخلق، فهذا لا بأس به، كما جاء في أشعار الصَّحابَة الذين مدحوه، كشعر حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكذلك كعب بن مالك،وعبد الله بن رَوَاحة، فهذه أشعار نزيهة طيبة، قد سمعها النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأقرها؛ لأنها ليس فيها شيءٌ من الغلو، وإنما فيها ذِكْرُ أوصافِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - . راجع:إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (2/312) .

ويقول الشيخ الفوزان أيضًا: ففي قوله:"عبد الله"ردٌّ على الغُلاةِ في حَقِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - . وفي قوله:"رسوله"ردٌ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ، والمؤمنون يقولون: هو عبد الله ورسوله.

هذا وجه الجمع بين هذين اللفظين، أن فيهما ردًا على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - .

وفيه: ردٌّ على الذين غلو في مدحِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - من أصحاب القصائد، كقصيدة البُردة, والهمزية, وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ،حَتَّى قال البوصيري:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... *** ... سواك عند حلول الحادث العمم

إنْ لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... *** ... فَضْلًا وإلا فَقُلْ يا زلةَ القدم

فنسي الله - سبحانه وتعالى - . ثم قال:

إنْ لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... *** ... فَضْلًا وإلا فَقُلْ يا زلةَ القدم

يعني: ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرَّسُول. ثم قال:

فإن من جودك الدنيا وضرته ... *** ... ومن علومك علم اللوح والقلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت