فهرس الكتاب

الصفحة 24552 من 27345

مقتضى هذه الأبيات إثبات علم الغيب للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأن الدنيا والآخرة من جوده وتضمنت الاستغاثة به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - من أعظم الشدائد ورجاءه لكشفها, وهو الأخذ بيده في الآخرة , وإنقاذه من عذاب الله ، وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح - عليه السلام - وإن لم يقل هؤلاء إن محمدًا هو الله أو ابن الله , ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بقوله: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) 1 والإطراء هو المبالغة في المدح حَتَّى يؤول الأمر إلى أن يجعل المدح شيء من خصائص الربوبية والألوهية.

وهذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كقوله:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... *** ... سواك عند حلول الحادث العمم

أي و إلا فأنا هالك، والنَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يقول في دعائِهِ: (( لا ملجأ منك إلا إليك ) )أخرجه البخاريُّ, كتاب الدعوات باب إذا بات طاهرًا (11/112) برقم (6311) . وقوله:

إنْ لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... *** ... فَضْلًا وإلا فَقُلْ يا زلةَ القدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... *** ... ومن علومك علم اللوح والقلم

أو شافعًا لي إلخ. ... ...

أي و إلا هلكت، وأي لفظ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ وعطف الشفاعة على ما قبلها بحرف أو في قوله:"أو شافعًا لي"صريح في مغايرة ما بعد أو لما قبلها, وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة. فإن لم يكن فبالشفاعة.

والناظم آلت به المبالغة في الإطراء الذي نهى عنه الرَّسُولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى هذا الغلو والوقوع في هذه الزلقة العظيمة ونحو ذلك قوله في خطابه للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:

الأمان الأمان إن فؤادي ... *** ... من ذنوب أتيتهن هراء

هذه علتي وأنت طبيبي ... *** ... ليس يخفى عليك في القلب داء

فطلب الأمان من النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب, فتضمن كلامه سؤاله من النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مغفرة ذنبه وصلاح قلبه، ثم إنه صرّح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب. وقد قال - سبحانه -: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} (101) سورة التوبة. وقال - تعالى -: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} (60) سورة الأنفال. وخفي عليه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أمر الذين أنزل الله فيهم: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} (107) سورة النساء. حَتَّى جاء الوحي, وخفي عليه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أمر أهل الإفك حَتَّى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين - رَضِيَ اللهُ عَنْهُا - وهذا في حياته فكيف بعد موته, وهذا يقول:"وليس يخفى عليه في القلب داء"يعني أنه يعلم ما في القلوب والله - سبحانه - يقول: {وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (154) سورة آل عمران. وقال النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار) أخرجه البخاري كتاب الحيل باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت.. (12/355) برقم (6967) . راجع: كتاب الرد على البردة للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين (ت/1282هـ) (ص361- 363) (387-388) .

وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - في كتابه"القول المفيد على كتاب التوحيد" (1/218) :

وقد ضَلَّ مَنْ زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام,أو عيسى بن مريم - عليه السلام - ، وكذلك بعض الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحًا له:

فكن كمن شئت يامن لاشبيه له ... *** ... وكيف شئت فما خلق يدانيك

وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرَّسُول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... *** ... سواك عند حلول الحادث العمم

ولن يضيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي ... *** ... إذا الكريمُ تحلَّى باسمِ مُنتقم

فإنَّ لي ذمةً منه بتسميتي ... *** ... محمَّدًا وهو أوفى الخلقِ بالذِّممِ

إنْ لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... *** ... فَضْلًا وإلا فَقُلْ يا زلةَ القدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت