كذلك فقد جاءت فريضة الحج لتربط المسلمين بدين إبراهيم عليه السلام الذي أقام القواعد من البيت وإسماعيل وأهدى إلى أهل التوحيد تلك المناسك في منى وعرفات والمزدلقة وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم ومن نسل إسماعيل وسجل القرآن ذلك تسجيلًا رائعًا.
"إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي".
"ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين".
وهكذا ارتبطت دعوة التوحيد بين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام وجاء هذا الارتباط واضحًا في كل دين جاء به الأنبياء إذ حمل إليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ولقد ذكرت التوراة والإنجيل كلاهما هذه النبوءة وسجلتها تسجيلًا:"ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل"ولقد أبان سيدنا عيسى بن مريم رسول الله إلى بني إسرائيل هذا الارتباط:"ومصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد".
كل هذا يعطي مفهومًا واضحًا هو المسئولية الكاملة النهائية لكل ميراث النبوة والرسالة، والارتباط بين أنبياء الله ورسله على كلمة التوحيد يسلمها كل منهم إلى من بعده حتى تختتم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
كذلك كشف القرآن عن عجز بني إسرائيل عن حمل الأمانة ولذلك نقلها الحق تبارك وتعالى إلى العرب:"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء".
كذلك كشف القرآن عن عجز بني إسرائيل عن حمل عن أنع دين رشد الإنسانية وأن البشرية قد تجاوزت طفولتها، فقد جاءت رسالة الإسلام معجزة بيان خالد باق إلى يوم القيامة هو القرآن الكريم الذي تحدى به الحق تبارك وتعالى العرب والعجم أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله أو بآية واحدة، ولقد عجز البشر وما زالوا عاجزين إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها عن هذا التحدي.
ولقد جاء الإسلام ليفصل بين تاريخين للبشرية: تاريخ ما قبل الإسلام كله وهو تمهيد لنزول الإسلام، وتاريخ العالم منذ الإسلام، ومنذ أن بزغ ضوء الإسلام وهو عنصر فعال ومؤثر في كل حدث من أحداث البشرية على وجه الأرض.
وقد حرر الإسلام البشرية من الوثنية وعبودية الإنسان في حضارات الفراعنة والفرس والهنود واليونان والرومان وحرر هذه المنطقة العربية التي توالت عليها أمواج الهجرات من قلب الجزيرة العربية خلال أكثر من خمسة آلاف سنة متوالية حتى جاء الإسلام فوسدت له العروبة والعربية ذلك السفح الممتد من العراق إلى الشام إلى مصر إلى أفريقيا وسرعان ما استجابت هذه الأمة كلها لكلمة الله في سنوات قليلة ونسيت تاريخًا إغريقيًا رومانيًا امتد أكثر من ألف سنة من سوريا إلى إسبانيا عبر شمال أفريقيا، منذ فتح الإسكندر الأكبر.
وفي يوم فتح مكة رفض رسول الله قول سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة وقال:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وأعلن الإسلام دعوة إنسانية عالمية تخاطب الناس جميعًا فالناس كلهم من ذكر وأنثى وعباد الله وخلقه وقد استخلفهم تبارك وتعالى في الأرض، وجعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا ومن آياته اختلاف ألسنتهم وألوانهم، والرسول صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى العالمين"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا".
وانداح المسلمون في أنحاء الأرض يعلنون كلمة الله ويقيمون دعوة الحق، ولا يعمدون إلى إفناء السكان الأصليين أو إجلائهم ولا يقيمون المستعمرات أو يضعون الحواجز بينهم وبين سكان المدينة التي انتقلوا إليها وهم كما يقول فتحي عثمان: مع سكان المدن المقيمين، والمهاجرين والوافدين سواء في الاعتبار الإنساني والحقوق القانونية.
ولقد واجه المسلمون النصر والهزيمة، انتصروا حين استمسكوا بكتاب الله تبارك وتعالى وحقه الذي بينه لهم وانهزموا حين تخلوا عنه"والحق تبارك وتعالى - كما يقول الأستاذ محمد قطب - حين يتعامل مع رسله وأنبيائه وأتباعهم من المؤمنين لا يتدخل من أجلهم فيخرق الناموس وينصرهم بالمشيئة على طريقة كن فيكون"وإنما يعودهم أن يكونوا أول الناس إيمانًا بالقانون الاجتماعي وأكثرهم إدراكًا لسنن الحياة ونواميسها وأن يكونوا أحرص الناس على التوافق مع هذه السنن والنواميس فهو يبتلي رسوله صلى الله عليه وسلم بتكذيب الناس ولا يتدخل بالمشيئة المباشرة ليعفيه من أعباء الجهاد في سبيل دعوته وإنما يذكره بقانون الحياة وسنة الصراع بين الحق والباطل:
"ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين". ويبين الله تبارك وتعالى علاقة المشيئة الإلهية بقوانين المجتمع فيقول:"ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض".