ولقد كشف الباحثون المنصفون عن هذا الدور الخطير الذي قام به الإسلام في"تحضير"البشرية ورفعها إلى درجة الإنسانية فيقول إيربري: إن الإسلام لم يكد ينزل على محمد في قلب جزيرة العرب حتى بدأ يغزو العالم بسرعة أذهلت المفكرين المحللين للتاريخ. وقد حاول المؤرخون المحدثون تعليل هذه الانتصارات الواسعة والفتوحات العظيمة بردها إلى عوامل اقتصادية أو حربية أو سياسية ولكن كل تلك التفسيرات ظلت عاجزة عن التعليل الصحيح فكان لابد من الرجوع إلى العامل المؤثر وهو الدين الجديد.
"إن بلاغة القرآن المعجزة مع بساطة تعاليم الإسلام التي جاءت في هذا الكتاب هي المفتاح لحل لغز أعظم"مد"في تاريخ الأديان ذلك أن الإسلام جاء يدعو إلى حياة منظمة جادة، حياة جماعة عاهدوا الهل أن يخضعوا لإرادته في كل أمر، وأن يجاهدوا في حمل كافة البشر على الإقرار بقدرته وملكوته."
حقًا، اختار محمد رسول الله الرفيق الأعلى، ولكن رسالته بقيت، حملها معهم المجاهدون إلى أطراف الأرض وكانوا جندًا وفي الوقت نفسه مبشرين بدعوة الدين الجديد. وأعلن أكثر من باحث غربي أن انتشار الإسلام كان أكبر خرقًا للعادة، يقول (م. روي) أن امبراطورية أغسطس الرومية بعد ما وسعها بطلها (تراجان) نتيجة فتوح عظيمة في سبعة قرون ولكنها لا تساوي المملكة الإسلامية التي أسست في أقل من قرن. إن امبراطورية الإسكندر لم تكن في اتساعها إلا كسرًا من كسور مملكة الخلفاء الواسعة. أن الامبراطورية الفارسية قاومت الروم زهاء ألف سنة ولكنها غلبت وسقطت أمام سيف الله في أقل من عشر سنوات، وما تزال مسألة"لماذا انتصرت الجيوش الإسلامية القليلة العدد والعدة على الجيوش الضخمة"أكبر معضلة في تاريخ الإسلام وموضع دهشة الباحثين، حين استطاع بسرعة انتشاره المذهلة خلال فترة قصيرة أن يبسط جناحيه من حدود الصين إلى حدود فرنسا.
ويرجع ذلك في الرأي الأصدق إلى طبيعة العقيدة وجمعها بين الدنيا والآخرة والعقل والقلب وطابع العدل والرحمى والإخاء البشري وتحرير العقل الإنساني من الوثنية وتحرير الجسد البشري من العبودية.
فقد عرف الإسلام منذ يومه الأول بمرونته في مواجهة الحضارات والثقافات وإتاحة الفرصة لأهل البلاد في حكم أنفسهم، وحرية العبادة وعدم فرض العقيدة الإسلامية عليهم بالقوة، وكون الإسلام ليس دينًا فحسب ولكنه كان في مجمله منهج حياة ونظام مجتمع.
وقد أدى الإسلام دورًا حضاريًا وثقافيًا بالغ الخطورة خلال ألف سنة كاملة وإنساب إلى مختلف الثقافات والعقليات فمنها من تقبلته عقيدة ومنها من تقبلته ثقافة وحضارة، وهو الذي أنشأ بذرة الحضارة الحديثة حين قدم لها المنهج العلمي التجريبي.
لقد كانت الدولة وأصحاب الأديان يفرضون مذاهبهم وعقائدهم بالقوة، أما الإسلام فقد ترك لكل إنسان حريته في العبادة وأقام العدل وحمى معابد اليهود والنصارى ولم يحارب المسلمون أبدًا في سبيل نشر الإسلام وإنما ردوا على عدوان من اعتدى عليهم أو وقف في طريق دعوتهم.
بماذا انتصر المسلمون؟
يقول ماكس مايرهوف في كتابه (العالم الإسلامي) :
"يكاد يكون مستحيلًا أن نفهم كيف أن أعرابًا منقسمين إلى عشائر ليس عندهم العدد والأعتدة اللازمة يهزمون في هذا الوقت القصير جيوش الرومان والفرس الذين كانوا يفوتونهم في الأعداد والعتاد وكانوا يقاتلونهم في كتائب منظمة، أن القول بالمراس الذي عرفه العرب للحروب والقتال والنظم والانقياد العام للقيادة فيه مغالطة كبيرة، فقد ثبت أن الروم والفرس كانوا راقين في النظام الحربي، وقد بلغت الدولة البيزنطية في بداية القرن السابع المسيحي زهوها وأوج قوتها، ودحر الروم الفرس وردوهم على أعقابهم عام 625 قبل زحف المسلمين على الشام باثنتى عشرة سنة فقط، وقد وقف 24 ألف مسلم في وجه الروم الذين كانوا أكثر من مائة وثمانين ألفًا".
ونقول: لقد كان الإيمان هو الموازن لفرق الكفة من ناحية العدد والعدة، فقد كان المسلمون يدخلون معاركهم وقد آمنوا بأن الحرص على الموت يهب الحياة وكانوا يقدمون أنفسهم وأرواحهم لله خالصة.
ولقد كان المسلمون رحماء في فتوحهم كرماء مع خصومهم أيضًا.
أين هذا مما يقوله مؤرخ الحروب الصليبية حين يقول:"إذا كنت تريد أن تعرف المعاملة التي لقيها أعداؤنا في بيت المقدس فيكفي أن تعلم أن أصحابنا كانوا يخوضون في بحر من الدماء حتى الركب ولم يستطع أحد من الكفار (المسلمين) الخروج سالمًا ولم نعف عن أحد حتى النساء والأطفال".
أين هذا الذي فعله المسلمون مما فعله فيليب الثاني بأمر البابا عندما أصدر أمرًا يقضي بطرد جميع المسلمين من إسبانيا وقبل أن يتمكن المسلمون من الفرار والنجاة بأنفسهم تم القضاء على ثلاثة أرباعهم بأمر الكنيسة والذين استطاعوا النجاةة من الموت أصدرت في حقهم محاكم التفتيش أمرًا بالإعدام ثم القضاء على ثلاثة ملايين مسلم دون مبرر.