فهرس الكتاب

الصفحة 24576 من 27345

ومع ذلك فقد أعطى المسلمون حضارتهم ولم يبخلوا: يقول المؤرخ الكبير هونشو: لقد خرج الصليبيون من ديارهم لقتال المسلمين فإذا هم جلوس تحت أقدامهم يأخذون عنهم أفانين العلم والمعرفة، ولقد بهت أشباه الهمج عندما رأوا حضارة المسلمين التي رجحت حضارتهم رجحانًا لا تصح معه المقارنة بينهما.

وكان هناك جانب خفي على الغرب، هو أنهم لم يفهموا الإسلام فهمًا صحيحًا فقد استقى الغربيون معارفهم عن الإسلام من مصدرين (كما يقول أدوين كالفرلي) أحدهما يتمثل في الشائعات التي روجها بعض المحاربين والتجار الغربيين وغيرهم، وألا يتمثل في المعلومات التي أذاعها الغربيون القليلون الذين اطلعوا على القرآن وغيره من كتب الإسلام، وقد ذخرت الشائعات التي روجت عن الإسلام بأخطاء كثيرة ما زال بعضها راسخًا في أذهان كثير من الغربيين ومن بين هذه الأخطاء أن المسلمين يعبدون محمدًا وليس عسيرًا أن يتقبل الغربي هذه الفكرة فكما أن بعض المسيحيين يعبودون المسيح، فكذلك يظن بعض الغربيين أن المسلمين يعبدون محمدًا مؤسس دينهم الذي يطلق عليه الغربيون لهذا السبب اسم"المحمدية".

وقد كانت هذه الفكرة شائعة في أوربا قبل حروب الصليبيين وأثناءها ثم زادت رسوخًا ورواجًا عند عودة الصليبيين من حروبهم فقد حاول الدعاة من رجال الدين وقادة الجيوش العائدة أن يثيروا في نفوس الجنود بغض المسلمين فأخذوا يروجون الإشاعات المضللة عن معتقدات المسلمين وتقاليدهم وفي مقدمتها أنهم يعبدون محمدًا نبيهم ووجدت هذه الإشاعات مرعى خصبًا بين أولئك الجنود فأخذوا يتناقلونها ويرددونها مع الزيادة فيها ولاسيما أن أكثرهم كانوا أميين لا يقرأون ولا يكتبون حتى بلغتهم الأصلية، كما أنهم لم يختلطوا بالمسلمين ولم يكونوا يعرفون العربية، فلم يتح لهم أن يقرأوا أو يسمعوا شيئًا يذكر عن الإسلام والمسلمين، والعجيب أن هذه الفكرة الخاطئة ما زالت شائعة تجد الطريق ممهدًا لترويجها ويروج كتاب (ماركوبولو) لهذه الفكرة الخاطئة بطريقة غير مباشرة. ففي الفصل الخامس منه يتحدث ماركوبولو عن العرب الذين يعبدون محمدًا.

وهناك صحف غربية كثيرة لا تزال تقع في هذا الخطأ وتردده، وبعض المعاهد الغربية تلقن طلبتها هذه الفكرة ويرى أساتذها أن محاولة المسلم أن يطيع محمدًا ويحاكيه في كل أفعاله ليس إلا عبادة في حين يقرر المسلمون جميعًا أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الهل وفي حين أن طاعة المسلمين لمحمد ليست إلا طاعة لله الواحد الأحد الذي دعاهم إلى عبادته.

ويصور برناردشو موقف الغرب من الإسلام فيقول:"لقد عمد رجال الإكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد وكراهية دينه ويعدونه خصمًا للمسيح أما أنا فأرى واجبًا على أن يدعي محمد منقذ الإنسانية وأعتقد أن رجلًا مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته".

والواقع أن محمدًا ودينه لم يكرها المسيح عليه السلام ولم يختصما معه بل آمنا به إيمانهم بكل أنبياء الله ورسله وكتبه وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فجمله وحسنه إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فكان الناس يطوفون بالبيت ويعجبون ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم المرسلين".

ولقد أنكر الغرب وإلى زمن قريب في مدى أربعة قرون فضل المسلمين على الحضارة العالمية، أما المسلمون فأنهم قد اعترفوا بما أفادوا من تراث الأمم، هذا الذي غربلوه ونخلوه في ميدان العلوم الطبيعية والرياضية فحسب أما في مجال الإنسانيات والعقائد وأسلوب العيش والأدب فإنهم لم يأخذوا من أحد واستهدوا فطرتهم وطبيعتهم وفي مجال العلوم استطاعوا أن ينشئوا المنهج العلمي التجريبي وكانوا منصفين دائمًا لكل من عرفوا من علم واعترفوا بفضل من سبقهم في أي ميدان دون أن يجدوا في ذلك غضاضة، فقد علمهم دينهم: العدل والإنصاف من النفس وقد فعل الغرب ذلك كله ليصور المسلمين أمام أهليهم بصورة العاجزين عن الانبعاث مرة أخرى أو بصورة التابعين لحضارة العرب ورغبة في إحكام السيطرة والنفوذ على مقدراتهم، كما حاولوا إثارة الفتن القديمة والخلافات بين مختلف الوفود التي طويت مرة أخرى للتفريق بين المسلمين.

ومع ذلك فقد استعاد الإسلام وحدة الفكر من جديد وعرف أهداف الغزو والتغريب وقطع مراحل طويلة في التقدم الاجتماعي وفي التوسع السلمي فدخل بلادًا كثيرة وانتشر في مختلف القارات وأثلجت كلمة لا إله إلا الله ملايين الصدور التي كانت حائرة مضللة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت