فهرس الكتاب

الصفحة 24590 من 27345

والتجرد لله من الحظوظ والشهوات، خاصة ما خفي منها كحب الترأس والظهور، من أعمق الأسس في هذا الشأن، فلم يمنع عمر وكبار الصحابة رضوان الله عليهم أن يراجعوا الحق لما استبان لهم على لسان أبي بكر رضي الله عنه، ولما اختلف الصحابة في بدر وأمر الله بالإصلاح ثنَّى ذلك بصفات المؤمنين (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًا) .

والولاء والبراء عقد شرعي لا يشترط فيه مطلق التوافق فالله سمى الطائفتين المقتتلتين باسم الإيمان، ثم أعقب تلك الآية بالأمر بالإصلاح بين الإخوة المؤمنين، وأمر هنا أيضًا بالتقوى.

إن كثيرًا من الخلاف المسبب للافتراق خلافٌ حول مسائل يسع الخلاف فيها، ولا تعدُ أن تكون وجهات نظر قابلة للأخذ والرد، وهذا الحماس المفرط للاجتهادات يؤدي في أحيان كثيرة إلى شقاق وفرقة.

ولا بد في سبيل توحيد الصف من وجود قيادات علمية راشدة تكون محط ثقة فينفتل منها المختلفون بنفوس مرضية.

أيها الأخوة.. إنه إذا لم يمكن التوافق فلا أقل من السير في خطوط متوازية، إن لم تتفق فلا أقل من أن لا تتقاطع، وقاعدة الشريعة العامة أنه لا واجب مع العجز وأن التكليف بقدر الوسع.

إن إثارة فقه الائتلاف على مستوى المؤسسات والأفراد أمرٌ بات من ضروريات العمل الإسلامي ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى تداول هذا الفقه وبكثافة.

وهنا أمر مهم إذ لا بد من التفكير بجدية في واقع الجيل الصاعد حيال فقه التوافق والاختلاف حتى لا تتكرر الأخطاء ولا نزال بحمد الله نرى نماذجًا لمشروعات جادة قامت على الاتحاد فأفلحت في مسيرتها وجنت ثمار زرعها.

ولا بد في هذا الصدد من تأمل هدي القرآن والسنة في الأمر بالعدل مع الصديق والعدو، ومن قراءة متأنية في السيرة النبوية وتراجم السلف وهدي العلماء في الائتلاف.

إن العدل سمةٌ مميزةٌ لشريعتنا، عاش في كنفها البرُّ والفاجرُ، والمسلمُ والكافرُ، كل هؤلاء بالعدل يُحكمون ولا يُظلمون، حتى وإن أبغضنا الكافر فنحن مأمورون بالعدل معه، ذلك توجيه ربنا في كتابه العزيز: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) .

قال ابن تيمية رحمه الله: وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمورٌ به، فإذا كان البغضُ الذي أمر الله به قد نُهيَ صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويلٍ وشبهةٍ أو بهوى نفس ؟ فهو أحقُّ أن لا يُظلم، بل يُعدل عليه (1) .

لقد فاق المسلمون في تاريخنا المجيد غيرهم في العدل، وتجاوزوا بعدلهم أهل الملة من المسلمين إلى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ويُذكر أن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله كتب إلى واليه على البصرة يقول له:"ثم انظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كَبُرت سِنُّه، وضعفت قوته وولّت عنه المكاسبُ، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمرَ رضي الله عنه مرّ بشيخ من أهل الذمةِ يسألُ على أبواب الناسِ فقال: ما أنصفناك إن كنَّا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيّعناك في كِبرك، ثم أجري من بيت المال ما يصلحه" (2) .

إن من مظاهر العدل قبول الحقِّ ممن جاء به، فالعبرة بالقولِ لا بالقائل، وفي قصة الشيطان مع أبي هريرة رضي الله عنه حين وكَّله الرسول صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، ومجيء الشيطان إليه أكثر من مرة حتى علّمه أن يقرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وأنه بذلك يكون محفوظًا من الله ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح، في هذه القصة صدَّق الرسول صلى الله عليه وسلم القول وإن صدرَ من الشيطان حيث قال: (( أما إنه قد صدقك وهو كذوب ) ) (3) .

ومن فقه هذا الحديث وفوائده ــ كما قال ابن حجر رحمه الله ــ: إن الحكمة قد يتلقّاها الفاجرُ فلا ينتفع بها، وتؤخذُ عنه فينتفع بها، وإن الكافرَ قد يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن ولا يكون بذلك مؤمنًا، وبأن الكذّاب قد يصدُقُ (4) .

وفي هذا الصدد يُذكرُ من وصايا ابن مسعود رضي الله عنه قوله لرجل قال له: أوصني بكلماتٍ جوامع، فكان مما أوصاه به أن قال: ومن أتاك بحقٍّ فاقبلْ منه وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن أتاك بالباطل فاردُدْه وإن كان قريبًا حبيبًا (5) .

إننا حين نفقدُ هذا الميزانَ في قبول الحقِّ قد نرفض حقًا، لأنه جاء من شخص نبغضه أو لا نهواه، أو لا نرتضي منهجه بشكل عام، علمًا بأن قبول الحق الذي جاء به لا يعني موافقته في كل شيء، ولا الرضى عنه فيما يخطئُ فيه، وقد يضطرنا هذا الخلل في العدلِ في قبول الحقّ ورفض الباطل.. لقبول زلّة خطأٍ من شخصِ نحبه، ونرتضي منهجه علمًا بأن رفضنا لهذه الزلَّة والخطأ منه، لا يعني بغضه ولا الانتقاص من قدره، ولا رفض بقية الحقِّ الذي جاء به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت