إنه العدل الذي ينبغي أن نأخذ أنفسنا به، ونتمنى به أن يُجري الله الحقَّ على ألسنتنا وألسنة خصومنا، وكم هو عظيمٌ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله حين قال:"ما ناظرت أحدًا إلا قلتُ: اللهمّ أجرِ الحقّ على قلبه ولسانه، فإن كان الحقُّ معي اتبعني، وإن كان الحقُّ معه اتبعته" (6) .
وأين هذا يا مسلمون ممن يتمنون انحراف خصومهم، أو يرمون مخالفيهم بالباطل، ويتهمونهم وينفّرون الناس منهم، وهم مسلمون، بل قد يكونون علماء، وقد يكون ما معهم من الحق أكثر من خصومهم، فإلى الله المشتكى، وكم يتلاعبُ الشيطان أحيانًا ببعض المحبين وكم يخطئُ هؤلاء وينسفون قواعد العدل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وكم نظلم أنفسنا ونظلم غيرنا بتصنيف هذا، وتجريح ذاك، واتهام ثالث وإشعال معارك وهمية بين نفرٍ من المسلمين، الكاسبُ الأول والأخير منها هم الأعداء المتربِّصون والخاسر الأكبر هم المعتدون الفاقدون للعدل والإنصاف..
وإن كانت الخسارة تعمُّ والفتنة تقع على المسلمين! وأين نحن من هذا الموقف البديع والعدلِ حتى مع غير المسلمين يقدمه لنا شيخُ الإسلام ابن تيمية بسلوكه العمليِّ، فهو حين سعى بإطلاق سراح أسرى المسلمين من التتار أصرَّ كذلك على إطلاق سراح المأسورين من أهل الذمة قائلًا لمسؤول التتر:"بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَتنا، فإنا نفكُّهم ولا ندعُ أسيرًا لا من أهل الملَّة ولا من أهل الذمة" (7) .
فإذا أنصفَ هذا العالمُ الربّاني وعدلَ مع غير المسلمين، وكان سببًا لفكّ أسرهم، فماذا يقولُ من يسعى للوقيعة بإخوانه المسلمين ويتمنّى الضُّرَّ لهم بشكلٍ أو بآخر؟
إن من قواعد الائتلاف إنصاف عامة المسلمين وخاصتهم.. فكيف السبيلُ لهذا الإنصاف؟
إن مما لا شك فيه أن المسلمين ــ قديمًا وحديثًا ــ يتفاوتون في مراتب الإيمان، فهناك من هم في الذروة من الإيمان، وهناك من هم في أدنى درجات الإيمان، وهناك طائفةٌ في الوسط بين هؤلاء وأولئك، ولكن الجميع تجمعهم رابطة الإسلام، وحسابهم على الله، وما لم يخرج المسلم من الملة، فإن له حقًا في الموالاة على قدر إيمانه.
وما من شك كذلك أن الفرقة الناجية من خيرة المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة الذين قالوا وعملوا بالكتاب والسُّنة.
ولكن دائرة المؤمنين تتسعُ لتشملَ غيرَ الفرقة الناجية من عُصاة المسلمين ومن وجد عندهم نوع انحراف.. لكنهم في دائرة الإسلام.. وهذا ما نص عليه الشيخُ ابن تيمية رحمه الله حين قال:"وإذا قال المؤمن: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوّله فخالف السنة، أو أذنب ذنبًا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقةً، فإنه ما من فرقةٍ إلا وفيها خلقٌ كثيرٌ ليسوا كفارًا، بل مؤمنون فيهم ضلالٌ وذنبٌ يستحقون به الوعيد كما يستحقه عصاةُ المؤمنين" (8) .
أيها المؤتمرون: وفي سبيل الائتلاف بين المسلمين أرشدَ العلماءُ إلى عددٍ من القواعد والآداب لا بدَّ من مراعاتها والوقوف عندها، ومنها:
(1) أنهم لا يُخرجون مسلمًا من الملّة إلا بتوفّر الشروط وانتفاء الموانع.
(2) ويرون أن الخطأ في الحكم بالإيمان أهونُ من الحكم بالكفر.
(3) وهم يتحفظون ويتحوّطون أكثر عند تكفير فردٍ بعينه أو لعنه.
(4) بل ولا يتسرعون في التكفير، وإن خطّأوا بدَّعوا أو فَسَّقوا.
(5) وفي مسائل الاجتهاد يرونَ أنه لا تأثيم ولا هُجران.
(6) وإذا لزمَ الهجرُ، فإنما هو للتأديب لا للإتلاف، وللشفاء لا للقتل.
(7) وهم يرون الأخذَ بالظاهر، والله يتولى السرائر، ويرون إجراءَ الأحكام على ظاهر الناس لا على القناعات القلبية، وفي هذا يقول الشاطبيُّ رحمه الله:"فإنَّ سيد البشر صلى الله عليه وسلم مع إعلامه بالوحي يُجري الأمورَ على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علِمَ بواطنَ أحوالهم" (9) .
ومما يعينُ على الإنصاف ويحقق الائتلاف، ألاّ يكون الموالاةُ والمعاداةُ خاضعةً للانتماء والحزبية الضيِّقة والطائفة والقرابةِ والهوى، بل تكون الموالاة للحق ومع أهل الحق.. والمعاداة للباطل وأهل الباطل.. مهما كان قربُهم وبعدُهم وانتماؤهم، وهنا يُنبِّه ابنُ تيمية على صنف يغضبونَ أو يَرضون لا بقصد أن تكون كلمةُ الله العليا، وأن يكون الدينُ كلُّ لله، بل يغضبون على كلِّ من خالفهم، وإن كان مجتهدًا معذورًا ــ لا يغضب الله عليه ــ ويرضون عمن كان يوافقهم، وإن كان جاهلًا سيِّء القصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسولُه، ويذموا من لم يذمَّه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواءِ أنفسهم، لا على دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (10) .