فهرس الكتاب

الصفحة 24671 من 27345

والغريب أن السيد ماريانو وهو يعود بالوعي الأوربي الجديد في مناهضته للإسلام إلى أكذوبة الخوف من امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل - وهو ما تحولت إليه الولايات المتحدة الأمريكية في حربها للإرهاب - لا يطرأ على ذهنه سؤال عن المخاطر التي تهدد الوطن الإسلامي ، والتي يمكن أن تنتج عن عدو - كالدولة الصهيونية - يمتلك أسلحة الدمار الشامل .

ولنا أن نتشكك في جدية أن يكون امتلاك أسلحة الدمار الشامل سببا كافيا في شن حرب شاملة على العالم الإسلامي ، وإلا فقد ظل الاتحاد السوفيتي عقودا يمتلكها وتم علاج الحال بغير أن تنشب هذه الحرب ، وانحصر الأمر فيما أطلق عليه الحرب الباردة ، واليوم يمتلكها الاتحاد الروسي بالفعل وما من تفكير في شن حرب ضده ، وكذلك امتلكتها إسرائيل والهند وباكستان ودول أخرى ولم يجر العمل على شن حرب ، وربما قيل: استعيض عن ذلك بما يسمى توازن الرعب ، وإذن فلم لا يكون الأمر كذلك في امتلاك الدول الإسلامية مثلا ؟ وتوازن الرعب ضدها يظل قويا متفوقا شديد التفوق ؟

وهنا يشير بعضهم إلى ( أن التهديدات النووية يمكنها أن تكون صادرة من بلدان العالم الثالث حيث رؤساء الدول لا يتمتعون بقدر كاف من العقلانية ، وليسوا واعين للعواقب التي ستترتب على عدم الانصياع للمنطق المفروض من قبل الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة )

وهنا تبدو عنصرية هذا الطرح الذي ينطلق من عقيدة الغرب في تفوق الرجل الأبيض عنصريا ، كما يبدو منطقه متهافتا إذ يعني أن الجنون حالة إسلامية .

وبما أننا نحن المسلمين نواجه في الواقع عدوا عاقلا جدا ، فإنه لابد من وجود تفسير أكثر عمقا وشمولا وعقلانية من مجرد الإشارة إلى أسلحة الدمار الشامل: إنها فكرة الصراع في الغرب ، نجدها جزءا من بنيتهم الثقافية قديما وحديثا ، فهناك"صراع الآلهة"فوق جبال الأولمب ، كما نجده في أساطير الإلياذة والأوذيسة وما جره هذا الصراع من صراع بين أسبرطة وأثينا ، ثم هناك صراع الدولة الرومانية مع الدولة الفارسية ، وصراعها مع الإسلام ، وصراع المسيحية مع الإسلام ، وزحف هذا الصراع إلى أمريكا في عملية إبادة الهنود الحمر ، وزحف الاستعمار الحديث على الشرق ، وصراع الغرب لإبادة المسلمين في حروب القرم والقوقاز ، والبلقان ، وتحتل فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للإنسان الغربي المعاصر ، فهو - أي هذا الإنسان - قد يشك في عقيدته المسيحية ، وقد يشك في عقيدته الرأسمالية ، أو غيرها ولكن تبقى لديه فكرة الصراع راسخة لا تمس ، بدءا بالصراع البيولوجي الذي أسسه دارون ، ومرورا بالصراع الاجتماعي عند هربرت سبنسر ، وانتهاء بصراع القوميات عند نيتشة ، وهو - أي هذا الإنسان - في ذلك كله ينظر إلى الصراع لا باعتباره شرا لابد منه ، ولكن باعتباره آلية التقدم في الطبيعة والإنسانية والحضارة .

(2) ومن هنا يصبح من العجيب أن يُفجأ بعضنا بنداءات الصراع الحضاري كما عبر عنها أخيرا هذا أو ذاك من المفكرين أو السياسيين ، وهذه الفجاءة مصدرها الغفلة عن طبيعة عدو يبحث عن العداوة قبل أن تفرض عليه ، ويراها لحمة الانتماء في مجتمعاته هشة البنيان ، وينشدها كأنها فيتامين الصحة والعافية ، فهل يفيدنا نحن المسلمين في شيء أن نخدر أنفسنا بالكلام عن إنسانية الحضارة الغربية ، وسلام الحوار الديني الذي نعرف أنه لقد كانت المخابرات الفرنسية من سدنته الكبار- ضمن تيارات أخرى - بقيادة مديرها الأكبر الكونت دي مارانش ، منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي ، في حركته نحو احتواء الإسلام سياسيا واقتصاديا في صيغة سماها"الحوار الإسلامي المسيحي"ثم طورها من بعد إلى ما سماه"الحوار الديني"، وفقا لوثائق الأستاذ محمد حسنين هيكل في مقاله بمجلة"الكتب:وجهات نظر" ( مايو 2001) التي تصدر بالقاهرة ؟ بينما الطرف الآخر ينظر إلينا وإلى الإسلام على وجه الخصوص على أنه ظاهرة عرضت في مسار التاريخ ، وهي في طريقها إلى الزوال بفضل خطتهم الطويلة في الصراع ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت