إنه في سياق المقارنة الزائفة بين الحروب الصليبية باعتبارها خطأ ارتكبه الغرب المسيحي ضد المسلمين !! ، في مقابلة خطأ المسلمين الذي ارتكب ضد الغرب المسيحي في فتح الأندلس - ولنقل غزوها لا بأس - وفتح جنوب فرنسا الذي لم يستقر ، وفتح بلاد شاسعة من أوربا … عندما يحدث ذلك من بعض رجالات الصحافة المتأمركين عندنا فإنه لابد من التعقيب عليه بكشف قناع الزيف فيه ، لا بالذهاب إلى تفاصيل التاريخ التي تدمغ هذه المقارنة بالجهل فحسب ، ولكن لنتساءل أيضا: أكان خطأ المسلمين ضد الغرب المسيحي قاصرا - في تقديرهم - على أسبانيا وأوربا ؟ أو هو ينسحب على فتح مصر والشام وجنوب البحر الأبيض المتوسط ، الذي كان غارقا في مستنقع البطالمة والرومان وأذنابهم ؟ ثم ينسحب إلى أفريقيا وآسيا باعتبار عالمية المسيحية في تقدير الغرب المسيحي ؟ ، ثم ينسحب إلى الجزيرة العربية بأدق وأقدس أماكنها التي هي ملك لهم حسب صريح خطتهم في مؤتمراتهم التاريخية في التبشير ؟
ولم لا نكشف الأوراق بطريقة محترمة لنقول: إن عالمية الدعوة الإسلامية ، وعالمية الدعوة المسيحية - حسب اعتقاد الكنيسة الموقرة - تدعونا إلى استبعاد هذه المباراة الصبيانية بين اعتذار عن خطأ من هنا واعتذار عن خطأ من هناك .. لنعالج القضية في إطارها الحضاري الصحيح: أي لنقارن إنسانيا بين دخول الصليبيين القدس - عندما قتلوا من رجال المسلمين وأطفالهم ونسائهم سبعين ألفا في أيام وأطلقوا من دمائهم نافورات جعلت خيل الصليبين تتعثر فيها داخل المسجد حتى الركب _ وبين دخول الإسلام مكة الطلقاء ، أو دخوله أسبانيا - دخولا حرمت منه فرنسا لسوء حظها - بمقاييس الحرية والعلم والحضارة والإنسانية ؟
ولست بحاجة في هذا المقام لفتح كثير من الملفات ولكن تكفيني الإشارة إلى شهادة المنصفين من مؤرخي الغرب وليقرأ من يريد أن يقرأ كتاب ( شمس الإسلام تسطع على الغرب ) للمستشرقة الألمانية زيجفريد هونكة - وبالمناسبة فعنوان الكتاب في أصله باللغة الألمانية هو كما ذكرته ، بينما المترجم العربي قدس الله سره حرفه إلى شمس العرب - فليقرأ القارئون: ليسألوا بعد ذلك: أين شمس الغرب المسيحي في سماء الشرق ؟ أين شمسه التي أطلت من سماء الأندلس بعد طرد المسلمين ، هل كنا لنجدها في غير محاكم التفتيش ، أو في أحياء الموريسكيين ( المسلمين المتنصرين قسرا ) ؟ أين شمسه لكي يبحث عنها الباحثون في عصور الظلام في أوربا نفسها التي افتقدوا في سمائها أي شعاع ، وليدركوا أن أوربا إنما نهضت بالخروج على المسيحية عندما لبست ثوب العلمانية وعندما تابعت خطى الإسلام في موقفه من العلم ؟ أين شمسه في موجة النهب والاستعمار الأوربي ؟ ثم موجة الاستيطان الصهيوني ؟ هذا هو السؤال ، ونرجو ألا يكون الجواب من نوع الأخطاء التي يراد منا أن نعترف بها كفتح الأندلس !!.
هذه هي المقدمة الأولى التي يتضح منها أن المعركة إنما هي مع الإسلام بكل أشكاله وألوانه ومع أهله جميعا معتدلين ومتطرفين ، والغرب على يقين (!!) بأن المتطرفين إنما يخرجون من عباءة المعتدلين ، ومن ثم فإن المعتدلين - في نظرهم - هم الأكثر خطرا ، واسألوا رجال المخابرات الحاذقين ، إنها إذن المعركة المعلنة من جانب الغرب على الإسلام على مستوى خريطة العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا .
تطور وسائل القتال كمقدمة
لازمة لنظر الفقهاء في سلامة"المدنيين الأبرياء"
أثناء القتال
وأما الحقيقة الثانية اللازمة كمقدمة للنظر في حكم سلامة المدنيين الأبرياء أثناء القتال فأعني بها التطور الجذري الشامل الذي طرأ على وسائل القتال وأدواته ، وبخاصة إذا لاحظنا أننا نتكلم عبر تطور قيمي وحضاري وتكنولوجي امتد لعشرات القرون ، انتقلت فيه الإنسانية من حضارة إلى حضارة أخرى ، واصطحبت معها تغيرا في الثقافة المساندة ، ومن المسلم به أن الحضارة إذ تتطور بسرعة أكبر من ثقافتها - بفعل القفزات التكنولوجية المفاجئة - يصبح من الخطأ إصدار بعض الأحكام القيمية لها أو عليها من خلال الثقافة التي تم انفصال الحضارة عنها: