فهرس الكتاب

الصفحة 24675 من 27345

ومن ثم فنحن نرى أن الفقه الاجتهادي في الإسلام يواجه اليوم بتحد بارز في هذه القضية ، نظرا لاستحالة تحقيق الشروط الأخلاقية الإسلامية في الحرب الحديثة في سياق الحضارة المعاصرة ، وهي حرب لم تعد أسلحتها تعتمد على الطابع الأخلاقي أصلا ، كالشجاعة والشرف والمواجهة والمروءة والرجولة والمهارات الجسدية والإنفاق الشخصي ، تلك الأسلحة التي كانت تتطابق مع تقنية ميدان المعركة نفسها ومنها تقسيم الجيش إلى صفوف تتواجه خارج التجمعات السكانية ، وإنما هي تعتمد اليوم على المستوى الأعلى من التقدم العلمي التكنولوجي ، في الاقتصاد والاتصالات والتنظيم والإدارة والخبرة والتجسس ، والهندسة ، والجندي المدرب على الآلة ، المعبأ نفسيا ضد عدو لا يعرفه ، والذي يضرب مالا يراه ولا يحس به ، كما تعتمد على الصواريخ التي يساوي واحد منها دخل مدينة ، و الطائرات التي تساوي واحدة منها دخل إمارة ، والقنابل التي تساوي واحدة منها دخل دولة ، وميزانيات الدولة للحروب التي تبلغ - في الولايات المتحدة - هذا العام أكثر من أربعمائة مليار دولار ، تم دعمها بمثلها ، كما تعتمد أساسا على أسلحة الدمار الشامل وتدمير المدن ومراكز الطاقة والمصانع والجسور وخطوط الاتصال والمواصلات والإنتاج والتوزيع والبورصة والنقد ، وتجميد الأموال لعشرات السنين ، - أو سرقتها على الأصح - ومصادرة أموال الجمعيات الخيرية ، وبث الذعر في صفوف الجماهير إلى حد يمكن فيه تحويلهم إلى أداة تعمل في صالح العدو نفسه ، وهي أوضاع تختلف جذريا عما كانت عليه قبل التقدم العلمي الحديث ، بحيث أصبح التقيد المطلق بأخلاقيات الحرب القديمة يعنى التحالف مع الهزيمة ابتداء .

لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، تحت ستار ما أصبح يسمى - من باب التزييف أو النفاق - تدمير البنية التحتية للعدو في المواصلات والمياه والكهرباء والإعلام ووسائل المعيشة ، والروح المعنوية للشعب ، وقد بدأ هذا التطور منذ الحرب العالمية الأولى واستشرى بعد ذلك وما يزال يستشري ، وهي نتيجة حتمية لتطور وسائل القتال الحديثة ، ولقد ذهب - ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور القديمة والعصور الوسطى"المتخلفة"الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب .

ونحن ما نزال نذكر عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية الذي بلغ أربعين مليونا - فهل كان هؤلاء من العسكريين ،؟ كما يزال كثير منا يذكر المعارك المؤثرة في مجريات الحرب العالمية الثانية بتدمير المدن الرئيسية الكبرى مثل لندن وبرلين وغيرها ، وما نزال نذكر كيف أن الضربة الحاسمة في انتصار الغرب الديموقراطي في الحرب العالمية الثانية كانت بتدمير مدينتين كبيرتين في اليابان هما هيروشيما ونجازاكي ، واليوم يضرب العدو المسلم مدنيا في كل مكان عله يركع أو ( يتبع ملتهم ) في الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ، وأفغانستان وفلسطين والعراق إلخ

إننا نظلم الإسلام إذا وقفنا هنا لنتحدث عن المثل العليا ، دون أن نلتفت إلى ما يمارسه أعداؤه - في واقع الساحة الدولية بعامة - من نكسة حضارية بتدمير المدن ، وقتل مئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة ، تقتلهم عند الإطلاق ، كما تقتلهم بعد الإطلاق بعشرات السنين ، وضربهم باليورانيوم: في مخادعهم التي عليها ينامون ، وقتلهم بهوائهم الذي يتنفسون ، وتسميمهم بمائهم الذي يشربون ، ونشر الإشعاع القاتل في بيئتهم حتى خارج حدود إقليم الحرب ، وكما يجب أن نلتفت إلى ما يجري من جيش إسرائيل المسلح بأحدث الأسلحة الأمريكية ضد أطفال الانتفاضة الفلسطينيين وشبانهم الذين لا يملكون من الأسلحة غير الاستشهاد ، وما يقوم به العدو من حصار تجويعي ، واغتيالات للأفراد ، وتصفية دماء الجرحى ، والحيلولة بينهم وبين العلاج حتى الموت ، وضرب سيارات الإسعاف ، وقتل أطبائها وسائقيها ، وقتل متعمد للأطفال ، والنساء والشيوخ في مخادعهم ، والمرضى في أسرتهم ، وإغلاق المدارس ، وهدم المستشفيات ، وتجريف المزارع ، وتدمير البيوت والطرق ، وتخريب مصادر الماء والطاقة والإنتاج ..

( فرقة مقاتلة المدنيين!

خالد محمود

جريد الأسبوع بتاريخ 16\2\2004

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت