ثانيا: ولا يمنع ذلك من المعاملة بالمثل إذا دعت الضرورة . والأصل في ذلك قوله تعالى: { وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبوا بِمِثْلِ ما عوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرينَ } 126 النحل ، و يقول تعالى: { ذَلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفورٌ } الحج 60
ولا بد من القول بأن من شرط ذلك ألا يكون لحظ النفس ، فمن ثم لا تصح المثلة إشباعا لحقد ، ولا تصح السرقة جمعا لمال ، ولا يصح الزنا تحقيقا لشهوة .
ثالثا: هنا نجد للمسألة ثلاثة جوانب عند الفقهاء: جانب المعاملة بالمثل من حيث أداة القتل والقتال كالسيف أو الخنجر أو الخنق أو التحريق أو التغريق أو التقطيع ، وجانب المعاملة بالمثل من حيث الموضوع الذي يقع عليه الدمار أوالقتل أو القتال كالجندي أو الرجل أو المرأة أو الشيخ أو الطفل أو الصناع ، أو الفلاحين ، أو الشجرة أو الدار أو المصنع أو السد أو الجسر أو المتحف ، أوالمستشفى إلخ ، وجانب سلطة التنفيذ أو الأمر به كولي الدم أو ولي الأمر .
وفي ساحة السادة الفقهاء نجدهم قد تعرضوا للجوانب الثلاثة بضرب الأمثلة ، ففي كتاب"روح المعاني في تفسير القرآن للألوسي"في تفسير قوله تعالى"والحرمات قصاص"جاء قوله: ( واستدل الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتَل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق ، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح ) .
وفي فتح القدير للشوكاني: ( قيل وهذا كان في أول الإسلام ، ثم نسخ بالقتال . وقيل إنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم ينسخ ، ويجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه ، وبهذا قال الشافعي وغيره ، وقال آخرون: إن أمور القصاص مقصورة على الحكام ، وهكذا الأموال ، لقوله صلى الله عليه وسلم"أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك"أخرجه الدار قطني وغيره ، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني ، والقول الأول أرجح ، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي وحكاه الداودي عن مالك .. إلخ ) .
ومما يدل على رجحان أن ذلك لا يكون إلا بوضعه بيد السلطان ما جاء في الدر المنثور للسيوطي في مناسبة نزول قوله تعالى"والحرمات قصاص"وقوله تعالى"فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به": ( قول ابن عباس رضي الله عنهما: نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ، فليس لهم سلطان يقهر المشركين ، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى ، فأمر الله المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه أو يصبر ويعفو ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانه ، ولا يعدو بعضه على بعض ) .
وإذا كان ما تقدم يشير إلى حكم ما يحدث على مستوى النزاع بين الأفراد فللفقهاء اجتهاداتهم أيضا فيما يتعلق من ذلك بالقتال مع العدو على المستوى العام .
ففي كتاب المبسوط في الفقه الحنفي للإمام السرخسي:( ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الأشجار . وكان الأوزاعي ـ رحمه الله تعالى ـ يكره ذلك كله لحديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في وصية يزيد بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ"لا تقطعوا شجرًا ، ولا تخربوا ، ولا تفسدوا ضرعًا".
وتأويل هذا - والكلام للإمام السرخسي - ما ذكره محمد ـ رحمه الله تعالى ـ في السير الكبير أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ كان أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الشام تفتح له فلما علم أن ذلك كله ميراث للمسلمين كره القطع والتخريب لهذا .
ثم الدليل على جوازه - والكلام للإمام السرخسي أيضا - ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر بقطع نخيل بني النضير وأمر بقطع النخيل بخيبر ، حتى أتاه عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: أليس أن الله تعالى وعد لك خيبر ؟ فقال: نعم ، فقال: إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك ، فأمر بالكف عن ذلك .
ولما حاصر ثقيفًا أمر بقطع النخيل والكروم حتى شق ذلك عليهم ، ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر عوف بن مالك النضري فأمر بأن يحرق ،
فهذه الآثار تدل على جواز ذلك كله.
وكان الحسن بن زياد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: هذا إذا علم أنه ليس في ذلك الحصن أسير مسلم ، فأما إذا لم يعلم ذلك فلا يحل التحريق والتغريق .. ولكنا نقول - والكلام للإمام السرخسي -: لو منعناهم من ذلك يتعذر عليهم قتال المشركين والظهور عليهم ، والحصون قل ما تخلو عن أسير … .
ثم لا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها ، فكذلك لا يمتنع ذلك بكون الأسير فيها ، ولكنهم يقصدون المشركين بذلك ، لأنهم لو قدروا على التمييز فعلًا لزمهم ذلك ، فكذلك إذا قدروا على التمييز بالنية يلزمهم ذلك.) اهـ