ولأئمة المذاهب الأخرى اجتهادات واسعة في ذلك ، وقد أشبعها كبار الأئمة - على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم - بحثا ، ولخصها بعضهم: مثل ابن رشد في بداية المجتهد ، والصنعاني الأمير في سبل السلام ، وابن حزم في المحلى
ففي بداية المجتهد لابن رشد: ( وأما النكاية التي تكون في النفوس فهي القتل ولا خلاف بين المسلمين أنه يجوز في الحرب قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين.
وأما القتل بعد الأسر ففيه الخلاف الذي ذكرنا .
وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي ، فإذا قاتلت المرأة استبيح دمها ، وذلك لما ثبت «أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء والولدان » وقال في امرأة مقتولة: «ما كانت هذه لتقاتل» .
واختلفوا في أهل الصوامع المنتزعين عن الناس والعميان والزَّمْنى والشيوخ الذين لا يقاتِلون والمعتوه والحراث والعسيف ، فقال مالك: لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع ، ويترك لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به ، وكذلك لا يقتل الشيخ الفاني عنده ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال الثوري والأوزاعي: لا تقتل الشيوخ فقط . وقال الأوزاعي: لا تقتل الحراث. وقال الشافعي في الأصح عنه: تقتل جميع هذه الأصناف.
وفي قتل الحراث والعسيف والمرأة ، وفي المثلة ، وفي رمي الحصون ، يذكر ابن رشد الأحاديث التي تمنع من ذلك
ثم يتحدث عن النكاية في الأموال فيقول: ( وأما النكاية التي تجوز في أموالهم وذلك في المباني والحيوان والنبات فإنهم اختلفوا في ذلك: فأجاز مالك قطع الشجر والثمار وتخريب العامر، ولم يجز قتل المواشي ولا تحريق النخل. وكره الأوزاعي قطع الشجر المثمر وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذلك . وقال الشافعي: تحرق البيوت والشجر إذا كانت لهم معاقل . وكره تخريب البيوت وقطع الشجر إذا لم يكن لهم معاقل ) ثم يقول ( والسبب في اختلافهم: مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه الصلاة والسلام ) وقد سبق تفسير هذا الاختلاف فيما ذكرناه من كلام الإمام السرخسي .
والسبب في اختلافهم: - والكلام ما يزال للإمام ابن رشد - معارضة بعض الآثار بخصوصها لعموم الكتاب، وذلك في قوله تعالى: {فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثابت: «أُمَرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» الحديث، يقتضي قتل كل مشرك راهبًا كان أو غيره ).
وأما الآثار التي وردت باستبقاء هذه الأصناف ، فيذكر ابن رشد منها ما منع من قتل أصحاب الصوامع ، و ما منع من قتل الشيخ الفاني والطفل الصغير ، والمرأة .
ثم يرجع سبب الاختلاف إلى معارضة قوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله الَّذينَ يُقَاتِلُونَكُم وَلاَ تَعْتَدُوا، إنَّ الله لا يُحِبُّ المعْتَدِينَ } حيث تفيد هذه الآية اقتصار القتل على المقاتلين دون غيرهم ، لقوله تعالى: { فَإذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المشرِكينَ حَيْثُ وجدتموهم } الآية ، وهي لا تستثني قتلا من قتل
ثم يقول: ( وقد احتج الشافعي بحديث سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم» وكأن العلة الموجبة للقتل عنده إنما هي للكفر، فوجب أن تطرد هذه العلة في جميع الكفار ) .
وأورد الإمام الصنعاني الأمير في (سبل السلام ) جواز قتل النساء والأطفال في رواية متفق عليها: )عن الصَّعْبِ بن جَثَّامةَ رضي الله عَنْهُ قال: سُئِلَ رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يُبَيّتُون فيُصيبُون منْ نسائهمْ وذراريهمْ ؟ فقالَ: «هُمْ منهُمْ» مُتّفقٌ عليه ) .
ثم يشرح الإمام الصنعاني الأمير معنى التببييت وأنه: الإغارة عليهم في الليل على غفلة مع اختلاطهم بصبيانهم ونسائهم فيصاب النساء والصبيان من غير قصد لقتلهم ابتداء.
ثم يذكر ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من النهي عن ذلك فيما بعد في غزوة حنين فيما أخرجه ابن حبان من حديث الصعب وزاد فيه: «ثم نهى عنهم يوم حنين» وهي مدرجة في حديث الصعب ، وفيما أخرجه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم لأحدهم: «الحق خالدًا فقل له: لا تقتل ذرّية ولا عسيفًا» وما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمر قال: لمّا دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال: «ما كانت هذه تقاتل» ونهى عن قتل النساء.
ثم يقول عن المذاهب ( وقد اختلف العلماء في هذا، فذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: إلى جواز قتل النساء والصبيان في البيات عملًا برواية الصحيحين. وقوله «هم منهم» أي في إباحة القتل تبعًا لا قصدًا إذا لم يمكن انفصالهم عمن يستحق القتل.
وذهب مالك والأوزاعي: إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى إذا تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة هما فيهما لم يجز قتالهم ولا تحريقهم.