فهرس الكتاب

الصفحة 24689 من 27345

وإليه ذهب الهادوية إلا أنهم قالوا في التترس: يجوز قتل النساء والصبيان حيث جعلوا ترسًا، ولا يجوز إذا تترسوا بمسلم إلا مع خشية استئصال المسلمين. ونقل ابن بطال وغيره اتفاق الجميع على عدم جواز القصد إلى قتل النساء والصبيان للنهي عن ذلك. )

وذهب الإمام ابن حزم في المحلى إلى أنه ( لا يحل قتل نسائهم ولا قتل من لم يبلغ منهم ، إلا أن يقاتل أحد ممن ذكرنا فلا يكون للمسلم منجًا منه إلا بقتله فله قتله حينئذ. … فإن أصيبوا في البيات أو في اختلاط الملحمة عن غير قصد فلا حرج في ذلك ) .

ثم يرى جواز: ( قتل كل من عدا هؤلاء من المشركين من مقاتل ، أو غير مقاتل ، أو تاجر، أو أجير وهو العسيف أو شيخ كبير: كان ذا رأي ، أو لم يكن ، أو فلاح، أو أسقف ، أو قسيس، أو راهب، أو أعمى، أو مقعد لا تحاش أحدًا. وجائز استبقاؤهم أيضًا ) ثم يستشهد بقوله تعالى: { فَاقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} قائلا: ( فعمّ عز وجل كل مشرك بالقتل إلا أن يسلم ) . ثم أخذ يفند ما ذهب إليه مخالفوه في ضوء صحة الحديث أو عدم صحته في مقال طويل .ثم رد عليهم فيها قائلا: ( هذا كل ما شغبوا به ، وكل ذلك لا يصح )

هذه المقدمات الثلاثة قد يخرج منها من هو أكثر فقها بآراء أكثر تطابقا بين الأصول والفروع والوقائع ، من غير إضرار - بالطبع - بشروط القتال ومسلماته الشرعية التي لم نتطرق إليها في هذا البحث لظهورها وعدم الاختلاف فيها ومنها أن يقع الاستثناء في ضوابط القتال الشرعية بشروط دقيقة أشرنا إلى بعضها في قوال الفقهاء ، وذلك بالإضافة إلى المسلمات الشرعية الأخرى: أن يكون القتال ضد أعداء الإسلام المعتدين قصدا على حرماته ، ولا يقصد به مسالم معاهد أو ذمي ، وأن يكون قرار القتال خاضعا لحسابات دقيقة ، محسوبا بالفائدة للمسلمين وفقا لأصول الفقه وقواعده: من دفع الضرر ، وسد الذرائع ، وجلب المصلحة ، وغيرها من الأصول ، وليس اندفاعا إلى الشهادة بغير حساب . وأن يكون مفتوحا لتقبل السلام بشروطه المعروفة شرعا ، وأن يخضع ذلك لقيادة مسئولة شرعا ، مع التتنسيق اللازم مع القيادات المعنية لكي نتجنب ضرر الفتنة الأشد .

وعلى كل حال فمن حق الباحث أن يجد فيما قدمناه من اختلاف الفقهاء ما يدل على سعة أفق المصلحة الذي يطل منه الفقه الإسلامي بحيث إنه لينطوي على إمكان الاستجابة لما يقتضيه ما ذكرناه عن التطور الجذري في وسائل القتال

ولما كنت لم أقصد هنا أن أتقدم بفتوى ، أتطاول بها في مقام الأئمة ، فإنه لمن المؤكد أني قصدت أن أبين أن الباحث في المسالة يجد فيها خلافا واسعا بين الفقهاء لا يصح إهماله ، وبخاصة عند ما نجد استناد كل منهم إلى القرآن الكريم والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومصدر الخلاف بينهم يرجع إما إلى تضعيف كثير من الأحاديث المعارضة كما هو الحال عند ابن حزم ، أو إلى ما بين هذه الأدلة من عموم وخصوص ومجمل ومقيد: أيهما يرجع للآخر ؟ ، وهو خلاف لا يصح التغطية عليه بانتقاء ما يعتقد البعض أنه الأقرب إلى"روح العصر"أو ما يسمى"حقوق الإنسان"أوما يسمى"الحداثة"! ، غافلين عن أن"روح العصر"- على العكس مما يتوهمون - أصبحت تتمثل في تطور حضاري - وهذا ما قصدت إليه بالذات - لم يعد يحفل في أعماقه بضرب المدنيين في حروبه وإنما الأمر على العكس من ذلك أصبحت الحرب شديدة التقدم - كمنتج حتمي من منتجات هذه الحضارة - هي تلك التي تبدأ أو تتطور سريعا إلى ضرب المدنيين ، مع قليل من تجمل العجوز ، من أجل عيون - أو رغم أنف - ما يسمى عندهم حقوق الإنسان واتقاقيات جنيف وما أشبه .

كما قصدت أن أبين أن لمشكلة المدنيين في حروب اليوم - وبخاصة ما يواجه المسلمين منها - جانبا أشد تعقيدا مما نتصور وأكثر خطرا مما يساق إلينا من منابر الدعاية ، أو منابر الفتوى ، وهو ثمرة التدهور الإنساني في معطيات الحضارة المعاصرة ، ولست أبالغ إذا قلت إن جوهر أية حضارة إنما يظهر في غضبتها وهي تمارس الحرب كما هو الشأن في الفرد عند الغضب . ولعل هذا البحث أن يكون ورقة متواضعة بين يدي حفل من النظار يدفعهم إلى استجلاء جوانب الموضوع والخروج منه بموقف عملي في ضوء التطورات المعاصرة.

والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت