ثالثًا: وسيلة المؤسسات العلمية والدعوية: يمتاز العمل المؤسسي بجماعيته، حيث العدد الأكبر المساهم في ذلك العمل، فتكثر الآراء والأفكار الخادمة، مع توظيف طاقة كل عضو فيما يناسبها من أجل النهوض بالعمل واستمراره حيث الاستثمار الأفضل لعقول الرجال، ويضاف إلى هذا عدم ارتباط هذا العمل بشخص واحد ينتهي بتغير رغبته، أو موته.
كما أن مثل هذا العمل يمتاز بالتنظيم والدقة والبعد به عن الارتجالية، حيث النظم المتفق عليها، والتي يسير العمل من خلالها، ومعرفة كل عضو ماله وما عليه داخل هذا الصرح، وكذا وجود مجلس تصدر القرارات من خلاله لا تسمح لكل أحد بأن يصدر القرار لوحده، كل هذا وغيره يجعل أعمال هذه المؤسسات أقل خطأً، وأكثر صوابًا ونفعًا .
ومما يلحق بهذه ؛ المراكز الصيفية، والأنشطة المدرسية التي تحفظ على الشاب وقته مع ما فيه من تدريب على الإلقاء والمخاطبة، وما يستفيده من خبرات علمية، وعملية تساعده على بناء شخصيته ومستقبله، وتنير له طريقه للمشاركة المثلى في خدمة مجتمعه وأمته.
رابعًا: وسائل أخرى:وهذه في عمومها طابعها الاتصال المباشر بالمدعو ومن ذلك:
1 -الذهاب إلى أماكن المدعوين: فالداعية الحريص على إيصال الحق إلى الخلق مطالب باستخدام هذه الوسيلة، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عكاظ، وذي المجاز، وغيرهما، وغشى أندية قريش واجتماعاتهم، ولكن لا بد للذاهب أن يكون متسلحًا بالعلم، وقوة الإيمان، والأسلوب الأمثل للمدعوين زمانًا، ومكانًا، وتأهيلًا.
2-إجابة الدعوة: إجابة الدعوة من حق المسلم على أخيه، وبخاصة مع خلوها من المنكرات التي لا يمكنه تغييرها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ رَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ] رواه البخاري ومسلم-واللفظ له-. ولكن على الداعية عدم الاستئثار بالحديث، وقطع الناس بعدم التحدث مع بعضهم البعض، فإن الأصل في إقامة المناسبات الاجتماعية التلاقي بعد طول فراق والمؤانسة بين الأقارب والأصحاب، والاستئثار من الداعية يوجد عند بعض المدعوين عدم رغبة بتحدثه للسبب المذكور. وحتى يكون للداعية ذلك الأثر الفاعل بالمدعوين: فلا بد أن يكون الاتصال بينهم وبينه ميسورًا.
كما أن المدعو يعرض له مشكلات يحتاج معها إلى قادر يساعده على تجاوزها، وهل أولى من الدعاة القيام بهذه المهمة، فهم أطباء القلوب، ولكن يبقى دور الداعية في تربية المدعوين على احترام المواعيد والاعتناء بها، مع عذره لجاهل، أو غريب جاء لساعات يلقى فيها الداعية، ثم يعود إلى بلده.
3-السعي في مصالحهم والإصلاح بينهم: السعي في مصالح المدعوين خلق نبيل، ودلالة أكيدة على البعد عن الأثرة وحب الذات مع ما فيه أيضًا من حب الخير للآخرين.
واتجاه الناس إلى الداعية تلمسًا منهم بقضاء حوائجهم وسيلة يمتلك بها الداعية قلوبهم؛ إذ الإحسان يؤثر في الإنسان، فيزيد القلوب له محبة، وقد يقلبها من البغض إلى المحبة، وهذا أمر من وفق إياه؛ فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ...] رواه مسلم.
والمدعو لو لم يجد عند الداعية إلاّ طلاقة الوجه؛ لتأثر بذلك أثرًا إيجابيًا، فكيف إذا رأى منه تفاعلًا وحرصًا على القيام بخدمته، فلا بد من بذل النفس، وإشعار الآخر أن الداعية يحمل همّه، عنده مشكلة في البيت يتفاعل معه، مشكلة في الدراسة، وغير ذلك، فلا يقنطه، ولا يجعله مطلق التفاؤل في حل الأمور.
وكما هي الحال في السعي في مصالحهم؛ يحسن بالداعية أن يسعى في الإصلاح بين إخوانه المسلمين، وهو من الخير الذي قال الله عنه:لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفِ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضاَتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [114] } [سورة النساء] .