توُفّي الشيخ محمد رشيد رضا في 23 من جمادى الأولى لعام 1354 هـ ، الموافق 1935 م ، بعد أن استكملت المنار مجلدها الرابع و الثلاثين و شرعت في الخامس و الثلاثين ، فكان لوفاة الشيخ و انقطاع المجلة وقعًا محزنًا في العالم الإسلامي ، فطالب الكثيرون من العلماء و الأدباء و المؤرخين بإعادة إصدارها مرة أخرى لسدّ الفراغ الكبير الذي أحدثه توقفها ، فأصدر أخوه"محي الدين رضا"عددين فقط ، و لكنه لم يستطع الإستمرار . توقّفت بعد هذا المجلة لمدة عامين ، ثم تولّت جماعة الإخوان المسلمين زمام المجلة ، برئاسة الشيخ"حسن البنا"رحمه الله ، فصدرت ستة أعداد منها ، ثم توقّفت نهائيًا في شعبان 1359 هـ ، الموافق سبتمبر عام 194 م ، لينطفيء آخر إشعاع انبثق من هذا"المنار"الشامخ الباذخ ، فرحم الله الشيخ و أجزل له المثوبة عنا و عن أمة الإسلام . و الله ولي التوفيق .
المراجع:
1 -"رشيد رضا و دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب"، للدكتور: محمد بن عبدالله السلمان ، من منشورات نادي القصيم الأدبي ببريدة . الطبعة الأولى 1988 .
2 -"الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر"، للدكتور: سامي الكومي ، دار الوفاء ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1992 .
3 -"الأعلام"، خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة التاسعة ، 199 .
بقلم مبارك القحطاني
"...مجلة الشهاب الجزائرية ومؤسسها الشيخ المجاهد عبدالحميد بن باديس ظاهرة فريدة في مسيرة الحركات التصحيحية في العالم الإسلامي وفي هذه الدراسة استعراض موثق لمسيرتها ولجهود مؤسسها..."
دعوة الإمام المجدّد"محمد بن عبدالوهاب"شجرةٌ مباركةٌ آتت أُكُلها ثمارًا يانعة في كل بقعة مدّت إليها ظلالها الوارفة ؛ فلا توجد حركة إصلاحية معاصرة في عالمنا الإسلامي إلا ولها قِسطٌ من التأثّر بهذه الدعوة المباركة يتفاوت بمقدار ما يسّرته الظروف من إمكانية الإتّصال بها ، سواءً كان ذلك عن طريق التلقي المباشر ، أو السماع و القراءة عنها من خلال مصادر موضوعية و منصفة .
و إذا يمّمنا شطر المغرب العربي سنجد في طليعة المتأثّرين بها في هذا العصر الشيخ المجاهد الداعية"عبدالحميد بن باديس"رحمه الله رحمة واسعة ، و مِن ورائه جمعية العلماء التي أنشأها علماء الجزائر أثناء الإستعمار الفرنسي ، فقد كان لهذه الجمعية - و على رأسها الشيخ عبدالحميد - دورٌ بارز و حاسم في مسيرة المعركة الجهادية ضد الغزو الفرنسي ، إذ بذلت جهودًا عظيمة في سبيل إنشاء قاعدة جماهيرية جهادية ، تقوم على أسسٍ تربويةٍ سليمةٍ ، و ركائزَ عقائدية راسخةٍ ، تصمد أمام زمجرة الأعاصير و عتوّها . من هنا ، كانت هذه اللمحة السريعة للوقوف على دور المجاهد عبدالحميد بن باديس رحمه الله في هذه المعركة ، عن طريق تسليط الضوء على مجلة"الشهاب"الجزائرية ، و تأثيرها الإعلامي الفاعل في مسيرة النضال ضد الغزو الفرنسي في الجزائر.
الإستعمار الفرنسي للجزائر:
اقتنصت فرنسا حالة الضعف و التشرذم التي مرّت بها الجزائر فاجتاحتها عسكريًا في عام 183 م ، و أقامت فيها حكومة استعمارية تحكم هذا الشعب المسلم بقوة الحديد و النار ، و عملت في الوقت ذاته على جعْل الجزائر قطعةً من فرنسا، فأصدرت في عام 1834 أمرًا عامًا بتحويل الجزائر من أرض محتلّة إلى ملكية فرنسية . و بذلت في سبيل ذلك كل وسعها في عملية منظمة لمسخ هويّة هذا الشعب العربي المسلم عن طريق"فَرْنَسَته"، و تحويله إلى تابعٍ ذليلٍ للثقافة الفرنسية يدور في فلكها ، و يقتات على الفتات المتساقط على موائد تلك الثقافة .
و لما كان تباين الناس و تفاوتهم في كل بلد أمر منطقي و طبيعي ، فقد وُجِد في هذا البلد خَوَنة باعوا دينهم و بلادهم بعَرَضٍ من الدنيا قليل ، و آخرون مصابون بداء الهزيمة الفكرية و يحملون بين جوانحهم نفسيات ممسوخة قابلة للإنسلاخ عن هويتها الحضارية ، هذا إلى جانب الطرق الصوفية التي كانت تنفث في الغالب روح اليأس و التخاذل بين ظهراني المسلمين . فاستمالت فرنسا هذه الفئات ، و جعلتهم يؤدّون أدوارًا خبيثة و مشبوهة لخدمتها و خدمة مخططاتها في الجزائر .
فأبحرت الجزائر في لجة معتمة من الضياع و التمزّق و الإستلاب الإقتصادي و الثقافي ، الأمر الذي دمّر كيان هذه الدولة المسلمة ، و جذبها إلى حافّة الهلاك و اليأس .